أحد بيروت الكبير” سيفرّق “عشاق” التغيير

تستعد بيروت لـ”لأحد الكبير” الذي سيشهد انتخاب مجلسها البلدي الجديد وسط منافسة حادة بين لائحة “بيروت بتجمعنا” التي يدعمها ائتلاف جمع بين رئيس حزب الحوار الوطني النائب فؤاد مخزومي وبين ثنائي حركة “أمل” وحزب الله وحزبي “القوات اللبنانية” و”الكتائب” و”التيار الوطني الحر” وآخرين. ويرفع هذا الائتلاف شعار المناصفة في أعضاء المجلس البلدي بين المسيحيين والمسلمين على قاعدة تكريس وحدة بيروت كعنوان دائم لوحدة لبنان بكل مكوناته السياسية والطائفية والمذهبية، في مواجهة لوائح أخرى ترفع شعار “التغيير” الذي كان ولا يزال شعارا بلا ترجمة على أرض الواقع. في الوقت الذي يدّعي “تيار المستقبل” عدم المشاركة في الانتخابات انسجامًا مع قراره بتعليق عمله السياسي من دون أن يمنع محازبيه والمناصرين من توزيع أصواتهم يمنة ويسرة لهذه اللائحة أو تلك، تبعًا لمواقفهم وأهوائها السياسية والشخصية.
لكن لائحة “بيروت بتجمعنا” وعلى الرغم من حملات التغييريين – أو مدّعي التغيير – الافترائية والكيدية، وما يلتصق بها من مركبات نقص في شخوص هؤلاء ونفوسهم، تبقى الأقوى والأكثر قدرة على جذب الناخبين والفوز بـ”اليوم العظيم” والنفاذ باللائحة التي يدعمها ائتلاف قوي، خصوصًا أنها تجمع فعاليات بيروتية لا مصالح خاصة أو غايات شخصية لأصحابها وإنما غايتهم العمل لما فيه مستقبل بيروت الإنمائي، وحتى السياسي، على كل المستويات، وذلك بقوة المناصفة الإسلامية ـ المسيحية التي تجمع الكل على العمل في بوتقة واحدة وهدف واحد، هو أن تكون بيروت عزيزة ومنيعة وقوية تضخ العزة والمنعة والقوة في كل شرايين لبنان الذي تحتل موقع القلب فيه.
على أن داعمي لائحة “بيروت بتجمعنا”، وعلى رغم من اختلاف مشاربهم السياسية والطائفية، يتصرفون بمسؤولية وطنية انطلقت من فكرة سوّقها النائب مخزومي لدى زملائه من نواب تلك القوة السياسية التي ائتلف معها، من موقع العارف بشؤون بيروت وشجونها، والذي عايش قضايا أهلها منذ عشرات السنين، ووجد أن في الائتلاف على ساحة العاصمة جمعٌ لأبنائها لا قسمة، وزيادة في الخير لا نقصان، مراهنًا على أن يكون هذا الائتلاف بداية لائتلاف آخر يجمع لاحقًا بين كل القوى السياسية على العمل لما فيه خير لبنان وإخراجه من الأزمة الوطنية الكبرى إلى آفاق الإنفراج والسلام، وإعادته إلى دوره الطليعي في محيطه القريب والبعيد في ظل العالم المتغير.
على أن المناصفة المسيحية ـ الاسلامية التي أراد مخزومي وزملاؤه تكريسها في المجلس الجديد لبلدية بيروت، غايتها أن تبقى عاصمة لبنان للجميع. فبيروت التي كانت ولا تزال “أم المدائن” في هذا الشرق و”أم الشرائع” منذ فجر التاريخ، يليق بها أن تكون واحدة بكل مكوناتها وأطيافها دائمًا. وبرنامج لائحة “بيروت بتجمعنا” الذي يتميز بالتكامل والتوازن في ما احتواه من رؤى ومشاريع إنمائية وتطويرية لبيروت في كل قطاعاتها، من شأنه أن يعزز مكانة العاصمة ويؤكد الاقتناع لدى الجميع بأن لا قيمة لأي حوار لا ينطلق من أرض صلبة لعاصمة واحدة. والائتلاف الحاصل يكشف أن الحوار بصوت عال والتفكير بصوت أعلى وعلى مسامع الناس وأعينهم، هو أفضل أنواع الحوار لأن الحوار حول الطاولات غالبًا ما يفشل في تحقيق أي اتفاق بين المتحاورين والتاريخ حافل بكثير من السوابق لحوارات فاشلة.
ومن الواضح أن هذا التلاقي أو الائتلاف بين داعمي “بيروت بتجمعنا” والذي نتج من حوار بصوت عال وبلا تعقيدات، كشف جماعة “التغيير” وعرّاهم أمام البيارتة. فعبارة “التغيير” التي يلوكونها على ألسنتهم كانت وما تزال عبارة جوفاء بلا ترجمة، إلى درجة أنهم لم يغيروا حتى ما في أنفسهم. والسبب أنهم ينطلقون من نكران الآخر وعدم الاعتراف به أو التحاور معه، ليصل بهم الأمر إلى حد تنصيب أنفسهم “أطهاراً وقديسين”. في الوقت الذي لم يظهر أنهم حققوا أي إنجاز يليق ببيروت وبما أطلقوه من شعارات لخدمتها، ثم يأتون الآن عبر أبواقهم الإعلامية وذبابهم الإلكتروني ليأخذوا على النائب محزومي وزملائه كيف أنهم اجتمعوا حول بيروت، فهم يريدون أن يبقى البلد غارقًا في الانقسام والتفرقة وأن تبقى الخصومة مستمرة فيه لتتحول عداء بين أبناء البلد الواحد. في الوقت الذي رفض مدعو التغيير أو”المتغيرون الموسميون” ولا زالوا، يرفضون مد اليد للآخر حتى ولو كان الأمر لمصلحة بيروت التي تعصم الجميع. ولذلك انزلقوا إلى مخاطبة الآخرين بلغة التخوين وادّعاء النظافة والشفافية، لكنهم لم يتمكنوا منذ أن قادتهم المصادفات إلى الندوة النيابية من أن يجتمعوا في كتلة نيابية واحدة في المجلس النيابي، وحتى أنهم لم يتمكنوا من الائتلاف لدعم لائحة واحدة لخوض غمار الانتخابات البلدية في بيروت.
في أحد بيروت الكبير سيظهر هؤلاء “التغييرون كم هم صغار، بل كم هم في حاجة إلى تغيير، على ما يقول سياسي متابع. فخطاباتهم وشعاراتهم تبقى فارغة وقاصرة على النفاذ، وسيكونون أمام امتحان لن يكون لهم فيه إكرام وإنما ستكون المهانة عاقبتهم. وغالب الظن أن “بيروت بتجمعنا” ستحقق “جَمعَة” بيروت المنشودة وتفرّق “عشاق” التغيير، وتنقل العاصمة إلى المكان الذي يليق بها بين العواصم وتضع المدماك الأساسي، لحياة سياسية جديدة سوف تنطلق من محطة الانتخابات النيابة في ربيع 2026.
اللبنانية

