المواجهة الجيوسياسيّة للرئيس ترامب

يحاول الرئيس دونالد ترامب اظهار قوّته في الحكم، بالسياسة حيناً وبالتهديدات المباشرة والمبطّنة حيناً آخر، لاسيّما وأنّه يسعى لكلّ ما يعود لصالح التجارة الأميركية ومصالح الأمن القومي، واضعاً نصب عينيه ضمّ جزيرة غرينلاند وقناة بنما وكندا دون أن يتهاون أو يتردّد في ذكر ذلك في خطاب التنصيب يوم الاثنين 20 كانون الثاني الجاري، مهدّداً بالعقوبات الاقتصاديّة وباستخدام القوّة العسكرية إذا لزم الامر.
هو لم ينسَ رفض الدانمارك وغرينلاند عرضه الذي تقدّم به في العام 2019، لشراء الجزيرة.
فردّد اكثر من مرّة إنه يريد أن يجعل غرينلاند جزءاً من الولايات المتحدة.
1- لماذا غرينلاند؟
هي الجزيرة الاكبر في العالم . تتمتّع غرينلاند بأهميّة جيواستراتيجيّة لواشنطن لأنّها موطن لقاعدة “بيتوفيك” الفضائيّة، وتقع على أقصر طريق من أوروبا إلى أميركا الشّماليّة.
تعتبر الجزيرة غنيّة بمواردها الطبيعيّة ومنها النادرة مثل الغرافيت والليثيوم، إضافة إلى الأورانيوم والغاز الطبيعي.
وبما أنّها بوابة للسفن البحرية الروسيّة وغوّاصاتها النوويّة، باتت مهمّة لأحلام الرئيس التوسّعية، إذ يَعتبر سيطرته عليها ضمانة للتحذير من الصواريخ الباليستيّة، وبالتّالي توسيع نفوذه العسكريّ في مواجهة روسيا.
2- بالنسبة لقناة بنما – التي تعدّ ممرّا مائيّاً حيويّاً من الناحيتين التجاريّة والعسكريّة، حيث يمرّ خلالها من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي، ما يقارب من 13 ألف سفينة سنويّاً، أي بمعدّل 37 سفينة يوميّاً – فإنّ الرئيس الاميركي يغمز الى تقليص نفوذ الصين بذريعة ” تفرض القناة على السفن الاميركيّة رسوماً باهظة للغاية، ولا يتمّ معاملتها بشكل عادل بأيّ طريقة ولا شكل، بما في ذلك البحريّة الأميركيّة” حسبما جاء في خطاب التنصيب يوم الاثنين 20 الجاري. فالسيطرة على هذه المنطقة ستسمح لدونالد ترامب بالحصول على وسيلة إضافيّة للضغط الاقتصاديّ على المنافس الصينيّ.
3- في ما يتعلّق بكندا المتخبّطة بوطأة الرسوم الجمركية، فقد ذكر الرئيس ترامب أنه سيزيد الرسوم الجمركيّة على الواردات، وبذلك يكون قد رسم سياسة بلاده الاقتصاديّة ونال مبتغاه من خلال التضييق الاقتصاديّ على الكنديّين. فهل تكون كندا الولاية ال 51 في حال سعى دونالد ترامب إلى انتهاز وانتزاع ظروف تجاريّة أفضل من هذه الدولة؟
ممّا سبق، تعيش أوروبا حالةً من الترقّب وسط ما يراه المراقبون السياسيّون ” تهديداً ” او كما يقال: “العصا والجزرة”. وكأنّ الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مدركٌ لما قد تؤول اليه الأوضاع من “المدّ الترامبي”، فنبّه خلال زيارته لفنلندا الى إقامة تضامن شبه تلقائي بين الدول الاوربيّة على الصعيد الدفاعي من شأنه أن يؤدي الى تدخّلها إذا ما تعرّضت إحداها لهجوم.
لا بدّ هنا من القول بإنّ الاتّحاد الأوروبي يحاول التأقلم مع الإطار الجغرافي-السياسي المرتبط بنيّة الرئيس الاميركي تقليص تدخّل الولايات المتّحدة في الدفاع عن أوروبا.
اسئلة كثيرة تُطرح أمام نوايا الرئيس الاميركي:
– هو طامع في ما تدرّه قناة بنما على الاقتصاد. ولكن هل تنبّه ترامب الى أنّ أزمة الجفاف التي ضربت في العام 2023 وتأخّر بدء موسم الأمطار في دول أميركا الوسطى قد حَدَت بالسلطات البنميّة الى اعتماد سياسة مائيّة استراتيجيّة أهمّها تقليل عدد عمليّات المرور اليوميّة للسفن الى 18 ثمّ رفعها الى 24 سفينة في العام المنصرم؟
– هل أغفل ترامب عن القانون وحق الملكية إذ لا يمكن لواشنطن التراجع عن معاهدة قناة بنما بدون موافقة الأخيرة، بموجب اتفاقيّة فيينا للعام 1969 والتي تنصّ على أنّ إنهاء المعاهدات أو الانسحاب منها يتطلّب موافقة جميع الأطراف، إلاّ في حالة إحداث إخلال جوهريّ أو تغيير جذريّ في الظروف التي تمّ على أساسها إنشاء المعاهدة.
– هل دونالد ترامب مستعدّ للدفع بمطالبه حتّى النهاية؟
– هل يفي بوعده لو قَبِل الكنديّون الانضمام الى الولايات المتّحدة بأنّ الضرائب سوف تنخفض بأكثر من 60%؟ وهل التهديد باستخدام القوّة الاقتصاديّة قد يُخضع الكنديّين؟
–
إني أرى أنّ الرئيس ترامب يدير اللعبة السياسيّة بارتياح تام. فهو مفاوض من الطراز الأوّل، ويسعى لأن يكون رجل العام. قد يناور لينال الاتّفاق مع بنما وإدارة القناة لصالح الولايات المتّحدة لضمان تخفيض أسعار الرسوم الجمركيّة على السفن التابعة للولايات.
بالنسبة لجزيرة غرينلاند، هو يتحسّب لأنّ سيطرة أيّ من القوى العظمى عليها يعني تهديد لأمن الولايات المتّحدة وبالتّالي فإنّ سيطرته عليها تتيح له مراقبة المياه ومراقبة السفن والغوّاصات الصينيّة والروسيّة مما يعني إضعاف الاسطولَيْن البحريّيْن. وهنا دلالة على مخاوفه من تنامي نفوذ الحليفَيْن الجديدَيْن.
فهل الرئيس ترامب بشخصيّته النرجسيّة واضطراباته – كما وصفه علماء النفس – يقود أميركا الى حروب مع جيرانها، أم أنّه يعتمد سياسة الترهيب لينال مبتغاه؟ دون ن ننسى أنّه ليس للولايات المتّحدة من حليف فهي قادرة منفردةً على القيام بعمليات عسكرية وبمفاوضات دولية طالما هي القطب الأقوى عالميّاً.
الكاتبة جوزفين موسى خليفة

