هل إنفجار بيروت نهاية أو تدويل الأزمة؟

ما الذي يحدث في لبنان ؟
هل هي لعنة تتربص بلبنان؟
هل هو العهد المطوق بمنظومة من الفساد تنهش مفاصل الدولة ومستعدة للإطاحة وحرق وقتل كل أو أي شيء يهدد وجودها؟
أم هي حرب كونية تواجه لبنان. قواعدها وأسلحتها وأدواتها جديدة غير مألوفة، تجعل من المراقب وخاصة عامة الناس مشوشة أمام مشهد يسهل فيه رمي الإتهامات السياسية جزافا يمينا ويسارا؟
أم هي لعنة الثروات المدفونة في أعماق الأرض والبحار اللاهثة وراءها الدول الكبرى لإبقاء نفوذها وهيمنتها على أسواق العالم. وعلى رأسها الغاز الطاقة البديلة عن النفط قبل إنتهاء العم ٢٠٣٠؟
في البداية من أولى أولويات الدول الكبرى الطموح نحو قيادة العالم والهيمنة على باقي الدول، وهذا ما حققته الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة وإنهيار الإتحاد السوفياتي عام ١٩٨٩. حيث باتت اللاعب الأقوى والوحيد القادرة على التحكم بقرارات الأمم المتحدة وجميع مؤسساتها وعلى رأسها مجلس الأمن، بالإضافة الى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي أصبحت تتحرك وفقا للمصالح الأميركية. وإن طموح بعض الدول الكبرى مثل الصين وروسيا في منافسة الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم جعل من الأخيرة تسترسل بالتدخل في شؤون معظم الدول بما يعرف بالقوة الناعمة بشتى الوسائل والحجج المتاحة. تارة بنشر الديمقراطية وتارة بالدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان وتارة بمحاربة الإرهاب وطورا بمحاربة الفساد. وإن قوة الجاذبية أو ما يعرف ب”soft power” التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأميركية تجعل من جميع القوى المعارضة للأنظمة تتعامل معها بشكل أعمى معتمدة على القوة التي تتمتع بها.
بدأ الصراع على مصادر الغاز يوم وقعت الدول الصناعية الكبرى عام ١٩٩٧ في ريو ديجينيرو على إتفاقية للحد من التلوث والإحتباس الحراري الناتج عن المشتقات النفطية والتي تتوجت عام ٢٠٠٧ بقمة عقدت في مدينة كويو في اليابان حيث وقعت الدول المجتمعة وعلى رأسها الدول الصناعية الكبرى إلى تحول هذه الدول إلى الطاقة البديلة وعلى رأسها الغاز الأقل تلوثا.
ما جعل من هذا الإتفاق فرصة للدول الغنية بالغاز وعلى رأسها الدولة الروسية والتي كانت قد باشرت بالتنقيب عن الغاز، ما جعل من سهولة دخولها إلى السوق الأوروبي عبر مشروع سيل الجنوب أو ” south stream ” من خلال أوكرانيا وصولا إلى معظم دول أوروبا الشرقية. ما دفع بهذه الدول بالتحول بالكامل إلى الغاز على حساب النفط الذي تسيطر عليه الشركات الأميركية والبترودولار. ما أثار جنون الولايات المتحدة التي خسرت نحوى ٤١% من سوق النفط في أوروبا بالإضافة على الهيمنة على هذه الدول. فانطلقت إستراتيجية أميركية بكيفية الحد من المد الروسي والتعويض عن الغاز الروسي بغاز بديل تم إكتشافه في نهاية التسعينيات في شرق البحر المتوسط والخليج العربي بين إيران وقطر.
فبدأ المشروع بثورة ملونة مطالبة بالديمقراطية والحريات وانتهى بقطع السيل الجنوبي في أوكرانيا عن أوروبا. والبدئ بمشروع نابوكو وهو خط غاز ينقل غاز بحر قزوين إلى أوروبا عبر تركيا إنما قيام روسيا بشراء الغاز من أذربيجان وتركمانستان أفشل نابوكو. ما دفع بالولايات المتحدة بالتوجه نحو الشرق الأوسط بعد نجاح روسيا بالدخول مجددا إلى أوروبا عبر ألمانيا من خلال السيل الشمالي ” north stream 1″ . فبدأ المشروع الأميركي بالسعي إلى تجميع غاز الشرق الأوسط والدخول به إلى أوروبا عبر تركيا إن استطاعت هذه الأخيرة تأمين الممر اللازم في سوريا. أو من خلال اليونان عبر ليبيا ومصر إن أستطاعت هذه الأخيرة من إفشال المشروع التركي المعرقل لهذا المشروع في ليبيا.
فيما يعني الحرب في سوريا فإن الولايات المتحدة كانت تنوي السعي إلى إتفاق مع الحكومة السورية بالسماح بتأمين مرور خط ينقل الغاز القطري من خلال السعودية والأردن وصولا إلى سوريا وينقل بطريقه الغاز السوري إلى البحر المتوسط، ليندمج مع غاز لبنان وإسرائيل وقبرص وفلسطين ومصر وليبيا للدخول إلى أوروبا من خلال تركيا أو اليونان عبر ليبيا. إلا أن توقيع السلطات السورية إتفاقية مع إيران بمد أنبوب بديل عن الأنبوب الأميركي لينقل بالإضافة إلى الغاز الإيراني الغاز السوري وصولا إلى البحر المتوسط.
فاندلعت على إثرها الثورة السورية التي طالبت بالحريات والديمقراطية لتنتهي بحرب عالمية على الأرض السورية، اللاعبون الأساسيون فيها هم أطراف مشروعي الأنابيب المتنافسة في الدخول إلى أوروبا.
أما لبنان.
عام ٢٠٠٤ حمل السفير الأميريكي آنذاك جيفري فيلتمان ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل وقبرص إلى الرئيس رفيق الحريري الذي كان رئيس مجلس الوزراء آنذاك. إستمهل الرئيس الحريري السفير الأميركي لدراسة الملف ، ليتبين لاحقا أن الترسيم المعروض من الجانب الأميركي يسلب من البحر اللبناني ما يقارب ٨٥٠ ك٢ لصالح إسرائيل. ما دفع بالرئيس الحريري بالتحري عن هذا الخطأ المتعمد ليتضح له أن المنطقة المقضومة تتضمن نقطة مشتركة مع أكبر بئر غاز في إسرائيل وهو حوض كاريش الذي يدخل في بلوك ٩. وبهذا الترسيم يحيد حوض كاريش عن البلوك ٩ بالإضافة إلى ضم حوضين لبنانيين في البلوك رقم ١٠ إلى إسرائيل. إلا أن الضغط الأميركي على الرئيس الحريري مقابل ضغط سوري من جهة ثانية أدى به إلى الإستقالة. وشكل الرئيس عمر كرامة حكومة قريبة من النظام السوري آنذاك. عمل خلالها الرئيس الحريري على التقرب من حزب الله والنظام السوري للعودة على رأس حكومة قريبة من النظام السوري وتضم حزب الله. ما أدى إلى إغتيال الرئيس الحريري في ١٤ شباط ٢٠٠٥ وأنطلق على أثرها ثورة أطلق عليها الرئيس الأميركي جورج بوش ثورة الأرز. أدت إلى إخراج الجيش السوري من لبنان وعودة الزعماء المسيحيين من الخارج والسجون وتحولت بعد ذلك أصابع الإتهام إلى حزب الله بعد أن أنشأت لجنة تحقيق دولية بإغتيال الرئيس الحريري. وأصبح حزب الله مستهدفا من الداخل والخارج وصولا إلى حرب تموز ٢٠٠٦ في ظل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي عملت جاهدة بالتعاون مع المجتمع الدولي الذين تكاتفوا على حزب الله الذي خرج من هذه الحرب منهكا. إلا أن حكومة السنيورة إستغلت إنشغال حزب الله بلملمة جراحه فقامت بتوقيع ترسيم الحدود الذي أودى بالرئيس الحريري بين لبنان وقبرص على إعتبار النقطة المشتركة بين البلدان الثلاثة نقطة إفتراضية إلى حين توقيعها بين هذه البلدان. كما وقعت إسرائيل على ترسيم الحدود مع قبرص على نفس النقطة الإفتراضية المشتركة بين البلدان الثلاث. بحيث أصبحت هذه النقطة الإفتراضية شبه نهائية.
أما فيما خص الوضع الحالي في لبنان . عاش لبنان في فترة ما بعد الطائف سلسلة من المؤتمرات الدولية التي قدمت القروض والمساعدات المالية التي صرفت دون حسيب أو رقيب تساعد وتوالى على نهبها رؤساء ووزراء وموظفين وإدارات وأجهزة على قاعدة مال الهيك بروح هيك. ما جعل الدولة اللبنانية تنوء تحت دين عام يقارب المئة مليار دولار. جعل الحكومات تصمد وتستمر بواسطة المساعدات والقروض الدولية. إلى أن تجرأت حكومات الرئيس ميشال عون على المضي قدما في ملف الغاز على مبدأ السيادة والقرار الحر، فأجريت المناقصات الدولية وسنت القوانين اللازمة وأجريت التلزيمات إلا أن الشركات الأميركية لم تشارك في المناقصات في رسالة واضحة من الأدارة الأميركية على عدم رضاها على الملف. فكما تخلت فرنسا عن الرئيس عون بعد حرب التحرير بضغط أميركي ها هي اليوم تعيد الكرة مع شركة توتال بإنسحابها من التنقيب الإستكشافي في البلوك رقم ٤ الواعد حسب جميع الدراسات تحت ضغط أميركي هائل على الحكومة الفرنسية وعلى الشركة بحيث جاء تقريرها سلبي، علما أن الحفر الإستكشافي لا يكون من خلال بئر واحد بل قد يصل إلى أكثر من ٢٠ بئر، أما أن يكون الإستكشاف من خلال بئر واحد فهذا دليل أن نتيجة البئر إيجابية، وما التحرك الأميركي الأخير على الساحة اللبنانية إلا دليل على ذلك، الأمر الذي لا تقبل به الإدارة الأميركية إذ تعتبر أنها معنية بجميع مصادر الطاقة وتعتبر أن استثمارها من فريق آخر يمس بأمنها القومي.
أما فيما خص سلاح حزب الله فقد أثبت هذا السلاح جدارته إبتداءا من حرب تموز ٢٠٠٦ وصولا إلى التدخل المباشر بالحرب في سوريا والذي ساهم بشكل كبير في إفشال المخطط الأميركي في سوريا بإفشال الإتفاق الإيراني السوري وتأمين ممر للغاز القطري عبر سوريا ما جعل هذا السلاح عقبة في تمرير أي مشروع من خلال الحكومات اللبنانية التي يشارك بها حزب الله ضامنا الثلث المعطل مع حلفائه. شكل حزب إلله مع حليفه الرئيس عون معادلة قوية في مشروع الغاز ما وضعهم في مواجهة أكبر دولة في العالم التي تطمح بضم الغاز اللبناني إلى المشروع الأميركي إضافة الى ترسيم الحدود مع إسرائيل أضف إلى توطين الفلسطينيين في صفقة القرن في لبنان والذي بات سلاح حزب الله العقبة الأبرز في وجه هذه السلة من المشاريع الأميركية.
بدأت الحرب الأميركية والمواجهة مع لبنان حين عاد جيفري فيلتمان بملف ترسيم الحدود مع تعديل بسيط عرف بخط هوف يتنازل فيها الأميركي عن حوضي بلوك ١٠ مقابل الإحتفاظ بكامل حوض كاريش داخل بلوك ٩. إلا أن المفاوضات التي استلمها الرئيس بري حليف حزب الله وصلت إلى حائط مسدود ما جعل الفريق الأميركي يطالب بنقل ملف التفاوض إلى رئيس الحكومة الجهة المخولة بالتفاوض. فتحرك الشارع بثورة ملونة تطالب بإسقاط الحكومة التي حرمت من مقررات مؤتمر سادر مطالبة بحكومة تكنوقراط خالية من حزب الله وحلفائه لتمرير هذه الإتفاقيات. إستعملت الولايات المتحدة خلال هذه الثورة كامل الأسلحة المعتمدة خلال هذه الحرب غير المسلحة من إعلام مأجور موجه، وحصار مالي غير مسبوق من خلال زيارة قام بها مستشار وزير المال الأميركي مارشال الى مصرف لبنان محددا سلسلة من الشروط المالية بالإضافة إلى العقوبات على المصارف والشخصيات والتهديد بالمزيد من العقوبات. قابل هذه العقوبات مساعدة من الداخل بالتلاعب بسعر صرف الدولار والحجز على أموال الناس وإرتفاع جنوني بالأسعار ما زاد من ضغط الشارع على الحكومة وجعلها في موقع العاجز والفاشل في إيجاد الحلول وتحميلها عبئ سنين من الفساد من أجل الإطاحة بها أضف إلى ذلك أزمة كورونا التي زادت في الطين بلة.
أتى الإنفجار الأخير في مرفأ بيروت ليتوج هذه الحرب القاسية على الشعب اللبناني بما يشبه الضربة القاضية للشعب وللحكومة بما حمل من مآسي وآلام ودمار شامل لمحيط المرفأ جعل من بيروت مدينة منكوبة. وجاء هذا الإنفجار عشية صدور قرار المحكمة الدولية التي تدين حزب الله بإغتيال الرئيس الحريري وإن توقيت هذا القرار في هذه الحرب على لبنان تضيف سلاحا جديدا على الأسلحة المستعملة. أما فيما خص الإنفجار فقد بات مؤكدا أن شحنة باجرة تقدر ٢٧٥٠ طن من نيترات الأمونيا الشديدة الإنفجار. المخزنة في عنبر رقم ١٢ في مرفأ بيروت منذ العام ٢٠١٤ تطرح أكثر من علامة إستفهام لماذا أدخلت هذه الشحنة؟ ولماذا لم ترحل؟ ولماذا تخزن مادة شديدة الإنفجار في وسط العاصمة؟ وهي قادرة على تدمير العاصمة في حين أن القوى الأمنية تداهم مخزن يحتوي على القليل من الزخيرة. أضف إلى ذلك إن الجدل القائم حول كيفية إنفجار هذه المادة إن بواسطة صاروخ أو حريق أو أي شيء آخر لا يغير من نتائج هذا الإنفجار إلذي جاء تتويجا لسلسلة الضربات على لبنان وبمثابة الضربة القاضية. ما يدل دون أدنى شك أن هذه المادة أدخلت وخزنت في المرفأ قرب إهرآت القمح لتستعمل في هذا الوقت بالذات في حين أن لبنان بأمس الحاجة إلى القمح والمرفأ لمواجهة هذه الأزمة العصيبة. أما من حيث التوقيت إن السبب الذي أنشأت على أساسه المحكمة الدولية للنيل من سلاح حزب الله وعشية صدور قرار المحكمة أتت الضربة في العنبر رقم ١٢ الذي كان رئيس الحكومة الإسرائيلي قد حدده ضمن سلة من الأهداف العسكرية في حال إندلاع الحرب مع لبنان متهما حزب الله بإستعماله كمخزن للصواريخ أضف إلى كلام الرئيس الأميركي بأن هذا الإنفجار كبير ويثير الشبهات. ليكون مادة دسمة على طاولة مجلس الأمن الذي تداعى إلى الأنعقاد لدرس تداعيات الحادث ليضاف إلى قرار المحكمة بإدانة حزب الله. تستطيع من خلاله الولايات المتحدة بإنتزاع قرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع بالتدخل عسكريا في لبنان للقضاء على حزب الله لنكون أمام سيناريو حرب قد نعرف كيف ومتى تبدأ ولا نعرف كيف ومتى تنتهي.
في الخاتمة إن ما يمر به لبنان والحكومة اللبنانية والعهد من تحديات كبيرة تحتم على اللبنانيين الإلتفاف حول الحكومة لمواجهة عدو كبير لا يكترث إلا لمصالحه ويطمع بما أكتنزت الطبيعة لنا ولأجيال المستقبل من خيرات في مياهنا من غاز ونفط تقدر بآلاف المليارات من الدولارات من أجل الحفاظ على هذه الثروات لما فيه خير لبنان على مدى مئات السنين. يبقى أن نضيف إن تعمّد الإدارة الأميركية التي تدعم الجيش اللبناني بأسلحة تقليدية خفيفة تجعله عاجزا أمام السلاح الإسرائيلي المتتطور والنوعي فإن ذلك يتطلب في الوقت الراهن الإلتفاف حول سلاح الجيش اللبناني وسلاح حزب الله من أجل الإنتصار في هذه المعركة المصيرية على أمل إنتفاء الحاجة إلى هذا السلاح يوم يصبح الجيش اللبناني يمتلك السلاح المناسب لردع إسرائيل.
إلياس سعادة – باحث ومحلل سياسي
موقع جديدنا الاخباري

