اخبار لبنان - Lebanon News

الإنتخابات البلدية وسيلة لتحقيق المشاركة والحكم الرشيد

كتب شربل مارون في الجمهورية
تعود جذور البلديات في اوروبا الى القرون الوسطى حين كان النظام الإقطاعي سائداً. في خلال تلك الحقبة كان «السيّد» يملك الأرض وما عليها من بشر وممتلكات. ودفع ذلك الفلاحين الرافضين نظام «السادة» الى إنشاء تجمعات سكنيّة مستقلة وحرة، أُعطيت تسميات معبّرة عن واقعها: فريتاون freetown في بريطانيا وville franche في فرنسا، وفرايبورغ friburg في المانيا. وأنشأ سكان تلك المدن مجالس محلية للدفاع عنهم وإدارة شؤونهم المحلية، شكّلت نواة المجالس المحلية.

تطوّر مفهوم العمل البلدي كثيراً في السنوات الماضية، وبعد ان كان محصوراً بالخدمات التقليدية التي يلخّصها المفهوم الشعبي بـ»الحراسة والكناسة»، باتت المجالس البلدية تتولّى شؤوناً حياتية واسعة تتعلق بالأشغال العامة والصرف الصحي والبيئة والصناعة والزراعة والتجارة والخدمات… وتشكّل تطبيقاً عمليّاً للامركزية الإدارية. وتقدّم الدول الديموقراطية تجارب ناجحة عن العمل البلدي المثمر والمنتج. اما في لبنان، فتضارب الصلاحيات بين السلطة المركزية وإداراتها من جهة، والبلديات من جهة ثانية، وضعف استقلالية البلديات والإيرادات الماليّة المحدودة وكثرة عدد البلديات، تشكّل عقبات حقيقية أمام العمل البلدي الناجح.

وفي غالب الأحيان، لا يلعب العامل الإنمائي والمصلحة العامة دوراً في التنافس الإنتخابي البلدي في لبنان. ومن خلال تجارب في عدد كبير من البلديات، يتبيّن انّ عقد التحالفات يتمّ انطلاقاً من اعتبارات سياسية وعائلية وبهدف إسقاط الخصم اولاً. ويعقد هذه التحالفات عادة رئيس اللائحة، من دون ان يكون للمشروع الإنمائي تأثير عليها. ويتمّ التركيز فيها على موقع الأفراد القريبين من الحزب او التيار في المجلس البلدي لا على قضايا التنمية، مثل: الأملاك العامة وكيفية الانتفاع منها، استخدام المساحات العامة، إدارة النفايات؟ الموقف من مخالفات البناء؟ على سبيل المثال لا الحصر.

وتبقى البرامج الإنتخابية ثانوية لا تحظى بالإهتمام اللازم من المرشحّين المتنافسين ومن الناخبين على حدّ سواء.

اولاً: الواقع البلدي: يعاني الواقع البلدي في لبنان من الكثير من الشوائب والعقبات التي تعوق العمل البلدي وانتاجيته. وأظهرت الأزمة الإقتصادية الكبيرة التي يعيشها لبنان منذ العام 2019، انّه لا يمكن الإتكال كثيراً على الدولة. وبدل ان تساعد الإدارات العامة البلديات فإنّ هذه الأخيرة، حتى تلك الموجودة في بلدات صغيرة، هي التي قدّمت الدعم اللازم للإدارات والمؤسسات العامة العاملة في النطاق البلدي من تجهيزات لوجيستية وقرطاسية ومعدّات…، وساعدتها في إنجاز مهمتها في تقديم الخدمات للمواطنين. وبذلك اثبتت التجربة انّ البلديات في لبنان هي النواة الصلبة الأساسية لعملية التنمية وتطوير المناطق. والنجاح في اختيار رؤساء بلديات وأعضاء مجالس بلدية يتمتعون بالكفاءة، يوفّر المدماك الأساس لإنطلاق عملية التنمية في مختلف المناطق.

وعلى رغم الدور الداعم للبلديات، فإنّ غالبيتها، لا سيّما المتوسطة والصغيرة، تفتقد الجهاز البشري الكفوء والمؤهل. والمسؤوليات الأساسية تقع على عاتق رئيس البلدية والمجلس البلدي الذين يتمّ اختيارهم استناداً الى القاعدة التمثيلية العائلية والحزبية والطائفية ليس الّا.

ويشكو الواقع البلدي من شوائب كثيرة تعوق عملية التنمية يمكن اختصارها بالتالي:

1- ارتفاع عدد البلديات: قد يكون لبنان هو البلد الذي يضمّ العدد الأكبر من البلديات في العالم قياساً الى مساحته وعدد سكانه. والسبب في ذلك، انّ قرار إنشاء بلدية هو من صلاحيات وزير الداخلية، وغالباً ما تتدخّل عوامل سياسية وانتخابية وشخصيّة في القرار، بمعزل عن مدى تمتّع البلدية بالقدرات المالية المطلوبة للنهوض بمهماتها. ويبلغ عدد البلديات حالياً حوالى 1058 بلدية، غالبيتها غير قادرة على تأمين النفقات الأساسية للقيام بمسؤولياتها.

2- انتشار البيروقراطية: تسود البيروقراطية العمل البلدي بشكل واسع، ما يتسبّب بهدر للمال العام والوقت، وعرقلة تأمين الخدمات، خصوصاً في الحالات التي تستدعي سرعة التحرّك. وعلى سبيل المثال، فإنّ تلزيماً بسيطاً قد يستوجب شهرين او ثلاثة اشهر لإنجاز المعاملة العائدة له وعقد النفقة. وفي بعض الحالات، كما حصل في كانون الأول 2021 مع انفجار قساطل للمياه في بيروت، لم يكن ممكناً إصلاح الأعطال بالطرق الكلاسيكية التي تستغرق وقتاً طويلاً. وفي اغلب الحالات تتمّ مخالفة القوانين والأنظمة الإدارية والمالية من أجل تحقيق المصلحة العامة!

والمفارقة مثلاً، انّه تبيّن بحسب ما كشفه محافظ بيروت القاضي مروان عبود في ندوة «الإنتخابات البلدية وسيلة لتحقيق المشاركة والحكم الرشيد» التي نظّمها «منتدى الحكم الرشيد» التابع لمرصد الحكم الرشيد والوظيفة العامة في جامعة القديس يوسف بالتعاون مع مؤسسة «كونراد أديناور»، في اطار مؤتمر «الإنتخابات المعبر الى التغيير»، انّ اللجوء الى تلزيم عملية تنظيف المجاري والأقنية من خلال السلفات المالية في بلدية بيروت كان اقلّ كلفة بـ15 مرّة ممّا هي الحال مع إجراء مناقصات نظامية! مع الإشارة الى انّ اللجوء الى السلفات يُعتبر تجزئة للنفقة، وينطوي على مخالفة واضحة للأنظمة والقوانين المالية والإدارية.

كما أظهرت الوقائع في انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 وما تلاها، انّ آليات العمل البلدية عاجزة عن مواجهة الأحداث الكبرى بسبب البيروقراطية ومبادئ القانون الإداري التي تخضع لها بلدية بيروت في عملها. فالقانون الذي يحظّر على البلدية العمل في الأملاك الخاصة شكّل عائقاً امام التدخّل لدعم اصحاب المنازل المهدّمة ومساعدتهم.

كما انّ قانون الموازنة العامة للعام 2020 حظّر على البلديات منح مساعدات وإعانات للأفراد والجمعيات. وهو ما يعوق تدخّل البلديات في العمل الإنمائي او أعمال الإغاثة .

3- تعدّد الرقابات على العمل البلدي وكثرتها: تخضع البلديات لرقابات متعددة تتوزّع بين رقابة سلطة الوصاية الممثّلة بوزارة الداخلية والبلديات، ورقابة القائممقام والمحافظ ، ورقابة ديوان المحاسبة، ورقابة التفتيش المركزي، والرقابة على الحسابات.. ممّا يعوق العمل البلدي.

4 – الوضع الخاص لبلدية بيروت: تشكّل بلدية بيروت حالة استثنائية فريدة بين البلديات في لبنان، ويتولّى محافظ بيروت رئاسة السلطة التنفيذية فيها، ممّا يكرّس مبدأ الفصل بين السلطتين التنفيذية والتقريرية، والثانية ممثّلة بالمجلس البلدي.

وهناك انقسام في المواقف من هذا الوضع الذي يعتبره البعض صحيّاً، فيما ينتقده البعض الآخر ويعتبره غير مألوف. وبرز هذا الإنقسام في النقاشات بين الكتل النيابية في اجتماعات اللجنة النيابية الفرعية المختصة بدراسة تعديل قانون البلديات.

ولم يتوصّل النواب في نقاشاتهم في اللجان النيابية بشأن مشروع قانون اللامركزية، والذي امتد من سنة 2017 الى سنة 2019، الى رأي موحّد بشأن وضعيّة بلدية بيروت وسلطة المحافظ.

5 – النجاحات البلدية: حقّق العديد من البلديات والإتحادات البلدية الكثير من المشاريع والإنجازات التي يمكن اختصار ابرزها بالتالي: أ – معالجة مشكلة النفايات في مدينة صيدا بسعي من البلدية وشراكة مع القطاع الخاص. وقامت البلدية في هذا الإطار بإستحداث مساحة للردم في البحر كسبت معه المدينة 550.000 متر اضافي من المساحة، خُصّص جزء منها لاقامة مطمر صحي معزول، احتوى كل جبل النفايات القديم بعد معالجته. وخُصّصت مساحة 35.000 متر لإقامة حديقة عامة. وسيتمّ تخصيص باقي المساحة لإنشاء مرافق عامة واستكمال مشاريع حيوية اخرى مثل تكرير المياه المبتذلة وغيرها.

وترافق المشروع مع الانتهاء من تجهيز معمل متطور لمعالجة النفايات المنزلية الصلبة في صيدا، وهو يستقبل يومياً 500 طن من النفايات الصلبة العائدة لعاصمة الجنوب ومحيطها وجزين وبيروت (250 طناً)، يقوم المعمل بفرزها الى مواد صالحة لإعادة التدوير وأسمدة عضوية، كما يتمّ التخلص من الغازات السامة الناتجة من النفايات عبر استعمالها لتوليد طاقة يُشغّل بها المعمل نفسه وينير الشوارع المحيطة به.

ونجحت بلدية زحلة كذلك في معالجة مشكلة النفايات في المدينة بتمويل اساسي من البنك الدولي. ولم تعرف المدينة أزمة نفايات كتلك التي شهدتها غالبية المناطق اللبنانية.

ب – تأمين الطاقة البديلة النظيفة. والأمثلة على ذلك عديدة في بلديات العباسية، منجز، حوش موسى، عنجر، غلبون، زحلة…

ج- تأمين مياه الشفة وحفر الآبار وإنشاء الشبكات وتصليحها وصيانتها. وهذه الأمور لا تدخل ضمن اختصاص البلديات.

ووضع العديد من البلديات والإتحادات البلدية مشاريع للنقل المشترك، وخططاً استراتيجية لتنمية المناطق، حالت الأزمة الإقتصادية القاسية التي أصابت لبنان دون تنفيذها.

ثانياً: الحكم الرشيد في الواقع السائد: تُظهر الوقائع انّ العمل البلدي يعاني ايضاً من آفات ومشاكل على صعيد السلوك الأخلاقي، والشفافية والإدارة المالية السليمة. وقد أصدرت لجنة الوزراء التابعة للاتحاد الأوروبي في العام 2008 مجموعة من المبادئ (12 مبدأ) رأت انّ من واجب السلطات المحلية احترامها او التقيّد بها في ممارسة الحكم الرشيد، من ضمنها السلوك الأخلاقي والإدارة الماليّة.

1- السلوك الأخلاقي: يتمّ في البلديات التعاطي بشكل مباشر مع المال العام، من خلال معاملات الناس اليومية التي تتطلب إعطاء أذونات، تراخيص، تلزيم أعمال، مراقبة التعدّيات وغيرها من الأمور التي تتعلّق بإدارة الشؤون العامة للمدينة. ويمكن للسلطة البلدية ان تلجأ الى استخدام الموقع وصرف النفوذ وتسخير القدرات في العلاقة مع السكان والمقيمين. ولا تكفي النصوص القانونية لضبط الممارسات، لأنّها قاصرة عن الإحاطة بجميع الحالات التي يواجهها العامل في القطاع البلدي. وقد يكون الحل بوضع مسوّدة سلوك واضحة مبنيّة على قيم خدمة المصلحة العامة.

2 – الشفافية والإدارة المالية السليمة: لا توجد شفافية حين تغيب الحسابات المالية المكشوفة. ولذلك فإن كشف موازنة البلدية وقطع الحساب للمواطنين امر في غاية الأهمية. وفي الدول الديموقراطية يعقد لقاء سنوي بدعوة من البلدية يتمّ فيه اطلاع الناس على كيفيّة الإنفاق وصرف الأموال العامة، وتحصيل الإيرادات، والإنجازات التي تحقّقت.

والغريب ان اعضاء المجلس البلدي أنفسهم يمكن الّا يطّلعوا على الكثير من مجريات الأمور في البلدية، اذ ان الصلاحيات تتركّز بين يدي رئيس البلدية، الذي يمكنه التحرّك في الكثير من الأمور والشؤون بمعزل عن المجلس.

وعلى الرغم من الرقابة المركزية على عمل السطات المحلية، ووجود مراقبين ماليين يدقّقون مباشرة في المعاملات، تبقى الثغرات عديدة في ضبط إنفاق الأموال العامة وأقله لجهة حسن استخدامها.

كما تشير الوقائع الى انه من السهل تمرير عدد من المشاريع والنفقات من دون موافقة اعضاء المجلس البلدي. وغالباً ما تحدث هذه الممارسات بالتواطؤ بين الرئيس وأحد اعضاء المجلس من دون معرفة بقيّة الأعضاء.

3 – رقابة المواطن والمساءلة: تتيح المادة ٤٢ من قانون البلديات للمعنيّين امكانية الإستعلام عن العمل البلدي. وهي تنصّ على ان «لكل صاحب مصلحة في دائرة البلدية ان يطلب إعطاءه على نفقته نسخة عن قرارات المجلس البلدي او رئيسه مصدقاً عليها من أمين البلدية او القائم بأعمال أمانتها. وان يطّلع على قطع الحساب السنوي».

غير ان المشكلة هي ان عدد المواطنين الذين هم على علم بوجود هذه الفقرة محدود، مما يؤدّي الى ضياع هذا الحقّ الذي يسمح بالرقابة واجراء المحاسبة. وفي احيان كثيرة لا تلبّي البلديات الطلبات المقدّمة لإعطائها معلومات ومستندات. وتقدّم مواطنون بشكاوى ضد البلديات لتمنّعها، من دون الوصول الى ايّ نتيجة.

المطلوب للعمل البلدي

ثالثا: خلاصات واقتراحات: كان التشريع الفرنسي اساس انشاء البلديات في لبنان في عهد الإنتداب، وتابعت الدولة اللبنانية ذلك بعد الإستقلال، حتى ذهبت الى حد السماح لكل مجموعة سكنية يفوق عدد سكانها 800 نسمة بإنشاء بلدية وانتخاب اعضاء ورئيس لمجلسها. وادّى ذلك الى طفرة في انشاء البلديات التي لا تملك الإمكانات الماليّة الكافية. اذ لا يمكن للإيرادات البلدية في بلدية من 800 شخص ان تؤمن الأكلاف البلدية، لا بل هي بالكاد تؤمن راتب كاتب البلدية او شرطي واحد لديها.

ومن اجل تعزيز العمل البلدي وتفعيل المشاركة فيه ينبغي تحقيق التالي:

1 – دمج البلديات: يشكّل العدد المرتفع للبلديات آفة ينبغي معالجتها من خلال الدمج البلدية. ¾ البلديات في لبنان هي صغيرة وعاجزة عن تأمين الموارد المالية اللازمة للقيام بمهامهما. وزادت الأزمة الإقتصادية من العجز المالي، حيث تشير المعطيات الى ان 4 % فقط من البلديات فقط هي متمكّنة مالياً وادارياً.

ويمكن الإستفادة من تجارب الأردن وتونس وهولندا واليابان وغيرها من الدول، لإنجاز الدمج.

وفي الإنتظار ينبغي على وزير الداخلية الإمتناع كليّاً عن اصدار اي قرار بإنشاء بلدية جديدة.

2 – تعديل قانون البلديات: كان قانون البلديات الذي صدر في العام 1977 عصريّاً ومتقدّماً زمن صدوره. وأدخلت عليه تعديلات اساسية في العام 1997 قلّصت من صلاحيات السلطة التنفيذية وحدّت من «الحريّة» التي كان يؤمّنها هذا القانون.

وصار من الضروري اليوم ادخال تعديلات جديدة على القانون فرضتها التطورات الإجتماعية والمقاربات الجديدة. وتمّ تأليف لجنة نيابية فرعية لتحديث قانون البلديات منبثقة عن لجنة الداخلية والدفاع والبلديات برئاسة النائب سمير الجسر، تعقد اجتماعات منتظمة منذ العام 2019. وشمل النقاش 35 مادة من المشروع، والطريق ما يزال طويلاً حتى بلوغ النهاية، خصوصاً ان لا منهجية للمسار التشريعي في لبنان، ولا رؤية ومبادئ اساسية ونقاط جامعة تعمل اللجان انطلاقاً منها. وغالباً ما يعود النواب اعضاء اللجان الى كتلهم لمراجعتها، مما يؤخّر النقاشات وتالياً النتائج.

وينبغي ان تؤمن التعديلات التالي:

ad

أ – توسيع مشاركة أعضاء المجلس البلدي في تولّي مهمات أوسع، لا سيما ان هناك حاجة لذلك في البلديات الوسطى والكبرى.

ب – اقرار النظام النسبي في الإنتخاب، بما يسمح بتمثيل سائر شرائح المجتمع البلدي داخل المجلس البلدي. ويشكل هذا التمثيل أحد أنواع الرقابة الداخلية في البلديات.

ج – اعطاء الحق بالإقتراع للسكان المقيمين في المدينة او البلدة من غير ابنائها، كونهم يسدّدون ما يتوجّب عليهم من رسوم وعلاوات وبلدية، وينبغي ان يعطوا في المقابل حق اختيار ممثليهم البلديين.

د – وضع الأطر التي تمكّن السكان من المراقبة والمساءلة، وتشجيع الجمعيات المحلية على المشاركة في ذلك.

ه – تحديد قنوات مستقلة للإبلاغ عن الفساد في حال حصوله، والعمل على حماية المبلغين عنه.

يعتبر اقرار هذه التعديلات امراً اساسياً، الّا انه يجب ان يترافق مع خطوات اخرى، اساسها اعادة نظر جذريّة بحيث تتماشى التعديلات مع القوانين والأنظمة المعمول بها، بما يؤدّي الى قيام سلطات محليّة فعّالة ومستقلّة.

3 – تحقيق استقلالية مالية وادارية اوسع للبلديات: يتمّ ذلك من خلال اقرار التشريعات التي تخفّف من الرقابة المتعدّدة التي تخضع لها البلديات، والإنتقال من الرقابة على انطباق القوانين والأنظمة على المعاملات لا سيّما الماليّة منها، الى الرقابة على النتائج، مما يؤدّي الى تخفيف الهدر في المال العام والوقت.

وبرز من خلال نقاشات النواب في اللجان النيابية بين عامي 2017 و2019 عند درس مشروع قانون اللامركزية ان عدداً كبيراً من النواب لا يرغبون في لا مركزية ادارية حقيقية تتضمّن لا مركزية مالية، بل يسعون الى ان تبقى الأمور الماليّة بيد المركز، مما يحول دون استقلالية البلديات.

4 – تأمين ايرادات البلديات من الصندوق البلدي المستقل بشكل منتظم: لا تدفع ايرادات الصندوق بشكل ثابت ومنتظم. احياناً تحصل البلدية على مستحقاتها في آخر السنة، واحياناً اخرى بعد سنتين او اكثر من موعد استحقاقها، مما يجعل البلدية المعنيّة عاجزة عن وضع برنامج للمشاريع تلتزم تنفيذها في مواعيد محدّدة.

ينبغي ايضاً إجراء نفضة شاملة يتمّ فيها الإعتماد على المعايير الإنمائية للإحتساب والتوزيع على البلديات. ولا يمكن ان يبقى الصندوق رهينة بين يدي السلطة التنفيذية، توزّع امواله كما تريد وفي الوقت الذي تريده. ولا يتحقّق ذلك الّا بإنشاء هيئة ادارة مستقلّة له، تديره بكفاءة بالإعتماد على الشفافية في عملها، كأن تنشر حسابات الصندوق والأموال التي يتمّ توزيعها على البلديات بشكل منتظم ودوري.

5 – اعادة النظر في الرسوم والعلاوات البلدية: انطلاقاً من ان العمل البلدي الإنمائي مرتبط بتوفير الإمكانات المالية اللازمة، ومع استفحال الأزمة الإقتصادية يجب اعادة النظر جذرياً في أسس الشقّ المالي الضريبي المتمثّل بالرسوم والعلاوات، لأن زيادة الإيرادات تنعكس تعزيزاً للعمل الإنمائي. ويفترض ان يواكب ذلك اعتماد التقنيات الإلكترونية الحديثة في الجباية، بما يوفّر على المواطن المكلّف هدر الوقت والإنتقال الى البلدية لتسديد مستحقاته.

6 – تدريب وتأهيل الجهاز الوظيفي التنفيذي في البلديات: يجب ان يتمتّع الجهاز بالكفاءة المطلوبة في عصر التكنولوجيا، وان يُصار الى ردم الهوّة الموجودة بينه وبين العصرنة، بحيث يتحقق التحوّل الرقمي المطلوب لقيام ادارة حديثة تؤمن افضل الخدمات للسكان والمقيمين.

7 – تفعيل آليات وأطر المشاركة في العمل البلدي: يتحقق ذلك من خلال إقرار الآليات المطلوبة وتعزيز الشفافية وتطبيق قانون الحق بالوصول الى المعلومات الصادر في 30 حزيران 2021. كما ان المواد 45 و55 و76 من قانون البلديات الصادر عام 1977 تنصّ على اعطاء المعلومات التي تصبّ في تحقيق المصلحة العامة. وجاء قانون الحق بالوصول الى المعلومات والمرسوم التطبيقي له لتكريس الحق بوضع المعلومات بتصرّف العموم. وينبغي في هذا الإطار ان يكون النشر حكميّاً.

ومن الآليات التشاركية التي يجب تفعيلها اللجان البلدية ولجان الأحياء، التي ينصّ عليها مشروع قانون البلديات الجديد، وهي وسيلة فعّالة لتأمين مشاركة اوسع في العمل البلدي.

8 – تعزيز التعاون: من الضروري قيام تعاون بين البلديات من خلال الإتحادات البلدية.

كما يجب تعزيز التعاون اللامركزي الذي يقوم بين سلطتين محليتين من بلدين مختلفين، تتشاركان في تبادل المعرفة والتجارب في اطار المصالح المشتركة. ولا بدّ من التشديد على اهمية المساواة بين الشريكين، انطلاقاً من ان العلاقة ليست بين مانح ومستفيد او بين دائن ومدين. ويمكن للبلدية اللبنانية ان تستفيد من النصائح، المساعدة التقنية، الخبرات، التدريب، المساعدة في وضع المشاريع ومواكبتها ومتابعتها، وتأمين التمويل…

9 – تعزيز ثقافة العمل البلدي: ينبغي القيام بحملات توعية وتوجيه تجعل الناس يتفهّمون ثقافة البلديات الغائبة نسبيّاً عن قاموس اللبناني، ويقتنعون بها للحصول على افضل الخدمات وتحسين مستوى حياتهم.

ومن الإقتراحات التي يجب التفكير بها فصل العمل الأمني لوزارة الداخلية عن العمل البلدي، بحيث يتمّ استحداث وزارة للعمل البلدي الإنمائي، تتركز مهامها على مراقبة السلطات المحلية وارشادها، وتوفير التدريب اللازم لها مباشرة او بالشراكة مع برامج ومؤسسات متخصصة.

ويختصر الرسم البياني التالي ابرز الخطوات المطلوبة لتعزيز العمل البلدي:

– دمج البلديات

– تعديل قانون البلديات

– إستقلالية مالية وادارية اوسع

– إيرادات منتظمة من الصندوق البلدي

– إعادة النظر في الرسوم البلدية

– تأهيل الجهاز الوظيفي

– تفعيل آليات المشاركة

ورقة عمل في مرصد الوظيفة العامة والحكم الرشيد عن مفهوم العمل البلدي صادرة عن منتدى الحكم الرشيد – جامعة القديس يوسف ومؤسسة كونراد اديناور

زر الذهاب إلى الأعلى