اخبار لبنان - Lebanon News

في البقاع: انتظار ثقيل وحسابات دقيقة

يعيش البقاع تحت وطأة الخوف من المصير المجهول، فمع تصاعد الحرب على إيران تتسلّل الهواجس إلى البيوت في القرى والبلدات الممتدّة من بعلبك إلى الهرمل، وتتحوّل الأسئلة اليوميّة إلى قلقٍ وجودي: ماذا لو قرّرت إسرائيل فتح الجبهة اللبنانية؟ وماذا لو تدخل “حزب اللّه” لمساندة طهران أو حتى من دون تدخل؟

في الحسابات الإسرائيلية، لا يُنظر إلى البقاع كمنطقة عادية، فالمنطقة وفق التصنيف العسكري الإسرائيلي، تُعدّ خزانًا لوجستيًا وعسكريًا لـ “الحزب”، خصوصًا بعد تفريغ الجنوب من مظاهر الوجود المسلّح وعملية حصر السلاح هناك عقب حرب الإسناد عام 2024. لذلك، فإن أيّ مواجهة مقبلة قد تحمل عنوان الضربة القاضية للبنية الصاروخية التي تقول إسرائيل إنها تنتشر في الجرود والمرتفعات، حيث يحتفظ “الحزب” بصواريخ متوسطة وبعيدة المدى قادرة على بلوغ شمال إسرائيل.

الضربات الأخيرة التي استهدفت جرود بلدات بقاعية قبل أيام شكّلت إنذارًا قاسيًا، وقيل إنها طالت مخازن صواريخ ومراكز لـ “الحزب”، وجاءت على شكل ما يشبه الحزام الناري، وكانت من الأعنف منذ نهاية حرب الإسناد. يومها اهتزت الأرض والمنازل تحت أقدام البقاعيين، وارتجفت النوافذ، وخرج الناس إلى الشرفات والطرقات بوجوهٍ شاحبة، لم تكن مجرّد غارات عابرة، بل رسالة واضحة بأن المنطقة على لائحة الأهداف.

منذ بدء الحرب على إيران تغيّر إيقاع الحياة، فمع كلّ صوت اعتراض لصاروخ في سماء البقاع، تتوقف القلوب لثوانٍ، والنظرات تتبادل الخوف قبل الكلمات. الناس هنا يتوجّسون من أن تكون الشرارة الأولى قد انطلقت، وأن يكون الدور قد حان على البقاع. ومع ساعات الصباح الأولى شهدت المحطات تهافتًا على الوقود، طوابير طويلة من السيارات، وأحاديث هامسة عن احتمال إقفال الطرق أو انقطاع الإمدادات، وفي الأسواق بدا المشهد مختلفًا: رفوف تُفرغ وسوبرماركات تغصّ بالناس الذين يسابقون الوقت لتخزين المواد الغذائية والمياه تحسّبًا لأي طارئ.

عسكريًا، يدرك سكان المنطقة أن طبيعة البقاع الجغرافية بجرودها المفتوحة وامتدادها الحدودي، تجعلها ساحة عمليات محتملة في حال توسّعت المواجهة. كما أن قربها من الحدود السورية يمنحها أهمية لوجستية مضاعفة في أي حسابات إقليمية، وهذا ما يعمّق القلق الشعبي، فالمواجهة هنا لن تكون محدودة أو رمزية، بل قد تكون الأعنف، لأن الضربة إن وقعت فستستهدف ما تعتبره إسرائيل عمقًا عسكريًا استراتيجيًا.

لكن وسط هذا القلق يحاول الناس التمسّك بروتين الحياة، المقاهي تفتح أبوابها وإن بخفوت، المدارس تراقب التطوّرات ساعة بساعة، والمزارعون يواصلون عملهم في الحقول وكأنهم يقاومون الخوف بزراعة الأمل، إلّا أن العيون تبقى شاخصة إلى الشاشات، والآذان تترقب أيّ خبر عاجل.

البقاع اليوم ليس في قلب الحرب بعد، لكنه في قلب الترقب، حيث المنطقة بين احتمالين: أن تمرّ العاصفة من بعيد، أو أن تكون في صلبها. وبين هذين الاحتمالين يقف الناس على حافة الانتظار، بخوفٍ مشروع من أن يتحوّل القلق إلى واقع، وأن تصبح سماء البقاع مسرحًا لمواجهة لا يريدها أحد لكن الجميع يستعدّ لها بصمت.

عيسى يحيى-نداء الوطن

زر الذهاب إلى الأعلى