اخبار لبنان - Lebanon News

انتصار ثمين في معركتي الصفة والأملاك البحرية: إبطال مرسوم إشغال 70 ألف م.م من شاطئ ذوق مصبح

أصدر مجلس شورى الدولة في تاريخ 23 تشرين الأول 2025 قرارًا تاريخيًا بإبطال مرسوم إشغال الأملاك البحرية في شاطئ ذوق مصبح. وقد صدر هذا القرار عن الهيئة المكوّنة من الرئيسة فاطمة الصايغ عويدات والمستشارتيْن هندي زعيتر وأسمهان الخوري، بناء على الدعوى التي تقدمت بها جمعيّتان بيئيّتان “الخطّ الأخضر” و”نحن” بالتعاون مع المفكرة القانونية. وتكمن أهميّة هذا القرار ليس فقط أنه القرار القضائي الأول بإبطال مرسوم إشغال أملاك بحرية، بل أنّه كرّس بعد محاولات عدة صفة الجمعيات البيئية في الطعن في هذه المراسيم، على نحو يجسد المسؤولية الوطنية في حماية البيئة ويقطع مع نظام تحصين مراسيم إشغال الأملاك البحرية إزاء أيّ طعن.

وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه القضية قد بدأت فصولًا حين حذّر نقيب المهندسين الأسبق جاد تابت بصفته عضوا حكميا في المجلس الأعلى للتنظيم المدني في 17 أيار 2018 أنّ الحكومة اتّخذت قبل يوم واحد مراسيم إشْغال أملاك بحرية في منطقتي الذوق والدامور (الناعمة) وذلك “على الرغم من رفض المجلس الأعلى للتنظيم المدني المشروعين بالإجماع”. وتبعًا لذلك، صدر في تاريخ 6/6/2018 مرسوما الناعمة (رقم 3247) وذوق مصبح (رقم 3248). وأكثر ما يلفت عند التدقيق في هذيْن المرسوميْن هو التّقارب الكبير في مضمونهما. فبالإضافة إلى التّقارب في المساحات التي يرخّصان بإشْغالِها (قرابة 70000 متراً مربعاً)، شمل الترخيص إقامَة الإنشاءات نفسها وتحديدا إنشاء مطعم ونادٍ صحيّ وجسر فوق سطح المياه وحدائق ومرفأ خاصّ للمراكب السياحيّة ورصيف صيانة للمراكب. ويجد إصرار الحكومة على اتخاذ هذيْن المرسوميْن بالتزامن وبالشروط نفسها تقريباً متجاوزة رفض التّنظيم المدنيّ تفسيره حين نعلم قرب الأشخاص المستفيدين منهما من قطبيْن أساسييْن في الحكومة آنذاك، بما يظهّر حصول عملية محاصصة واضحة بينهما. ففي حين منح مرسوم الناعمة الترخيص لشركة الهبة العقارية التي يتّضح أنّ جهاد العرب (المقرّب جداً من تيار المستقبل) أحد أبرز المساهمين فيها ومفوّض التوقيع عنها، منح مرسوم الذوق الترخيص لشركة دريم باي ذي سي ش.م.ل (Dream by the sea S.A.L) التي يتضح أن داني خوري (المقرب جدا من التيار الوطني الحر) هو رئيس مجلس الإدارة والحائز على الأغلبية الكبرى من أسهمها (89% من عدد الأسهم).

ورغم توفر الإرادة لدى الجهات المدّعية والمفكرة القانونية، فإنّ القرار في الطعن في هذين المرسومين لم يكن سهلًا. إذ كان مجلس شورى الدّولة قد أصدر قراراتٍ عدّة من قبل بردّ المُراجعات المقدّمة من جمعيات بيئية في القضايا الهادفة لحماية الأملاك البحرية، أخطرها القرار الصّادر في قضيّة الطعن في المرسوم السرّي في المنطقة العاشرة في بيروت. ورغم ذلك، وبدل أن تثنينا هذه القرارات عن انتهاج التقاضي، فإننا قرّرنا أن نخوض معركة اكتساب الصفة في الدفاع عن البيئة كجزء أساسيّ من اكتساب صفة المواطنة، في موازاة وبالتزامن مع معركتنا الأم التي هي الدفاع عن الأملاك العامة البحرية والعمل على استردادها. وسندنا الأساسي هي المادة الرابعة من قانون حماية البيئة 444/2002 والتي نصت صراحة على أنه “يسهر كل شخص طبيعي أو معنوي، عام أو خاص على سلامة البيئة، ويساهم في حمايتها وأن يبلغ عن أي خطر قد يهددها”. فكيف نمارس واجب السهر على سلامة البيئة إذا لم يكن لدينا الصفة والمصلحة في اللجوء إلى القضاء للطعن في القرارات المتعدية عليها؟

وإذ صدر المرسومان التوأمان في اليوم نفسه وطعنت فيهما الجهات نفسها في اليوم نفسه وتضمّنا المخالفات نفسها وأهمها عدم موافقة المجلس الأعلى للتنظيم المدني عليهما، فإن النتيجة التي انتهى الطعنان إليها جاءتْ مختلفة. لماذا؟ لسبب بسيط وهو أن مجلس شورى الدولة طوّر موقفه من مسألة الصفة والمصلحة للجمعيات البيئية في الطعن في هذه المراسيم بين 2021 (تاريخ صدور القرار بردّ دعوى الناعمة) و2025 مع صدور القرار في ملفّ ذوق مصبح. وما كان لهذا التحوّل أن يحصل لولا تحوّل تدريجيّ في مواقف القضاة الإداريين في اتجاه قبول الصفة، وبخاصة بين الفئات الشبابية منهم. وليس أدلّ على ذلك من الموقف الشجاع الذي أخذته القاضية لمى ياغي التي أصرّت على تدوين مخالفة على قرار مرسوم الناعمة، تأكيدًا منها على صفة الجمعيات البيئية في الطعن فيه وصولًا إلى تأكيد عدم شرعية هذا المرسوم ووجوب إبطاله. آنذاك، توقفنا كثيرا عند هذا الموقف الشجاع والذي رأينا أن من شأنه أن يمهّد لتحوّل في موقف مجلس شورى الدولة وهو بالفعل الأمر الذي حصل في قرار الذوق، على نحو يشرّع أمام الجمعيّات البيئيّة مدخلًا واسعًا للطعن في القرارات غير الشرعيّة المتّصلة بالبحر. وهذا ما أشار إليه بقوله أن للجمعيات البيئية صفة ومصلحة في المرسوم في حال كان من شأنه الإضرار بصورة مباشرة على الأهداف التي أنشئت من أجل حمايتها.

وبالإضافة إلى أهميّة القرار لجهة الاعتراف بالصّفة والمصلحة للتقاضي كما سبق بيانه، فإن القرار عاد ليؤكّد على وجوب الالتزام بالمرسوم 4810/1966 وتحديدًا التّأكيد على وجوب احترام الحكومة دور المجلس الأعلى للتّنظيم المدنيّ في تقييم أهميّة المشاريع التي يُراد استخدام تراخيص الأملاك العامة من أجل القيام بها واستثنائيّتها، فلا يكون لها منح تراخيص في حال رفض هذا الأخير لها، طالما أنه هو “المرجع الفني المختص” لتقييم هذه الأهمية وهذه الاستثنائية وأن تقييمه الإيجابي بوجود “مبررات سياحية” للمشروع هو إجراء جوهري لا يمكن تجاوزه. ومؤدّى ذلك هو التأكيد على أن منح التراخيص على الأملاك البحرية تدخل ضمن الشؤون الإدارية التي تتولاها إدارات الدولة ومؤسساتها والتي يفترض القيام بها بصورة محايدة وعلى أساس الضوابط القانونية، وليس ضمن الحسابات والمحاصصة السياسيّة مع ما يستتبع ذلك من تحويل الأملاك البحرية إلى مجموعة من الغنائم التي تتناهشها القوى الحاكمة والنافذة في تجاوز صريح للقانون. ولإدراك أهمية هذه الخطوة، يكفي التذكير أن كل مراسيم إشغال الأملاك البحرية بعد صدور مرسوم 1966 حتى نهاية الحرب قد انبنت وتأسست على موافقة المجلس الأعلى للتنظيم المدني وأن تجاوز هذا المجلس تمّ فقط في بداية التسعينات مع إضعاف الدولة وتراجع مؤسساتها. فضلا عن ذلك، يكتسي القرار أهمية إضافية من خلال تأكيده أن دراسة الأثر البيئي هي أيضا معاملة جوهرية يجب القيام بها مسبقًا وتقديمها إلى المراجع المختصة قبل استصدار المرسوم المطعون فيه. ونتبيّن هذه الأهمية حين نعرف أن كل مراسيم إشغال الأملاك البحرية إنما تصدر قبل القيام بهذه المعاملة وبمعزل عن أي دراسة من هذا النوع.

وإذ يرتب هذا القرار على الجمعيات البيئية مسؤولية أكبر على استخدامات البحر، الآن وقد تم الاعتراف بصفتها في الدفاع عنه وعن البيئة

وإذ هو يعكس توجها متزايدا لدى قضاة شورى الدولة في حماية الأملاك العامة، يؤمل أن يلاقي صدى لدى مختلف النيابات العامة وسائر الهيئات القضائية

فإنه يرتّب على وزارة الإشغال العامة مسؤولية ملحّة قوامها المبادرة فورا إلى تنفيذه من دون إبطاء، بما يحرر فعليا 70 ألف مترا مربعا من الأملاك البحرية.

كما يرتّب على الوزارة ومعها الحكومة مسؤولية أكثر إلحاحًا وهي وجوب إعادة الشرعية إلى الشاطئ، من خلال المبادرة إلى مراجعة جميع المراسيم الممنوحة، وفي مقدمتها “مرسوم الناعمة”، عملا بمبدأ المساواة أمام القانون، وتحديدا المساواة في تطبيق القانون واحترامه. ونذكّر هنا أنّ كل هذه المراسيم تمنح لسنة واحدة وأن الإدارة تبقى وفق القرار 144/1925 مخوّلة إلغاء جميع مراسيم إشغال الأملاك العامة في أيّ حين كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك أو عدم تجديدها من دون أي تعويض عملا بمبدأ هشاشة الترخيص في استعمال الأملاك العامة؛ وما يزيد من واجب الوزارة في هذا الخصوص هو أن 33 بالحد الأدنى من أصل 56 مشروعا مستفيدا من مرسوم هي متعدية على الملك العام من خلال مئات أو آلاف الأمتار عما هو مرخص لها بإشغاله وجاحدة حكمًا بحق الدولة.

كما يرتّب عليها تنفيذ قانون 64/2017 والعمل الفوري على إنهاء التعديات الحاصلة على الأملاك العامة وبخاصة التعديات التي لا تقبل أيّ معالجة وفق القانون 64/2017، وهي بالحد الأدنى 720 من أصل 1199 مخالفة على طول الشاطئ، علما أن 616 من المخالفين لم يقدموا أصلا أي طلب معالجة.

فضلا عن ذلك، وهو أمر لا يقلّ أهمّية، يدعونا هذا القرار بفعل تذكيره بضرورة أن يبقى أيّ ترخيص بإشغال الشاطئ استثنائيّا، إلى فتح نقاش وطني واسع بشأن نموذج الشاطئ الذي نريده: فهل هو نموذج الشاطئ الغنيمة الذي تتناهشه قوى الأمر الواقع بمرسوم أو دون مرسوم وهو النموذج الذي ولدته الحرب ونظام ما بعد الحرب ويستفيد منه قلة قليلة من أصحاب المشاريع؟ أم هو نموذج الشاطئ الملك العام الذي كرسه القرار 144/1925 منذ مائة عام والذي يستفيد منه جميع المواطنين وآلاف المشاريع والمؤسسات الاقتصادية في المدن الساحلية بما ينعش السياحة والاقتصاد، وهو النموذج الذي كان سائدًا قبل الحرب؟ وهو سؤال بالغ الأهمية، أجمل ما فيه أنه يرشح عن سؤال أكثر عمقا عن الطريق الذي يجب أن نسلكه للتحرّر من إرث الحرب وقيمها.

المفكرة القانونية – نزار صاغية,آية فرحات ، أماني البعيني

زر الذهاب إلى الأعلى