هل دخل العالم عصر العزوف عن الإنجاب؟

في ظاهرة يصفها خبراء بأنها الأخطر ديموغرافيًا منذ بداية التاريخ البشري، تتراجع معدلات الولادة بوتيرة غير مسبوقة حول العالم، حتى في الدول التي كانت تُعرف تاريخيًا بارتفاع نسب الإنجاب، ما يفتح الباب أمام أسئلة مصيرية حول مستقبل المجتمعات والاقتصادات والهوية الثقافية للدول.
وبحسب تقرير مطوّل للصحافي ديريك طومسون في مجلة “ذي أتلانتيك”، فإن عام 2023 شكّل نقطة تحوّل تاريخية، بعدما انخفض معدل الخصوبة العالمي للمرة الأولى منذ 200 ألف عام إلى ما دون “معدل الاستبدال السكاني”، أي المعدل المطلوب للحفاظ على استقرار عدد السكان من جيل إلى آخر.
ويشرح الخبير الاقتصادي في جامعة بنسلفانيا، خيسوس فرنانديز-فيافيردي، أن معدل الاستبدال يحتاج إلى 2.1 طفل لكل امرأة، بينما بلغ المعدل الحالي في الولايات المتحدة نحو 1.57 فقط، فيما تراجعت دول أخرى إلى مستويات أكثر خطورة، مثل كوريا الجنوبية وتايلاند ودول في أميركا اللاتينية وآسيا.
وبحسب التقرير، فإن التراجع لم يعد محصورًا بالدول الغنية، بل بات ظاهرة عالمية تشمل المكسيك والبرازيل وكولومبيا وتايلاند، وسط تسارع يفوق كل التوقعات السابقة للأمم المتحدة والخبراء الديموغرافيين.
ويعيد التقرير هذا التحول إلى مجموعة عوامل متشابكة، أبرزها التغيرات الاجتماعية التي فرضتها الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، وارتفاع مستوى تعليم النساء، وتوسع الاقتصاد الخدمي، وتأخر الزواج، وارتفاع تكاليف التعليم والسكن، إضافة إلى تغيّر النظرة التقليدية للأسرة والإنجاب.
ويشير فرنانديز-فيافيردي إلى أن النساء الشابات في العديد من الدول لم يعدن مستعدات للقبول بأدوار اجتماعية تقليدية، خصوصًا مع استقلالهن الاقتصادي المتزايد، ما ساهم في تراجع الرغبة بإنجاب عدد كبير من الأطفال. كما لفت إلى أن “سباق التعليم” في دول مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان جعل كلفة تربية الأطفال مرتفعة نفسيًا وماليًا.
وفي المقابل، يعترف التقرير بأن لهذا التحول بعض الإيجابيات، مثل انخفاض استهلاك الطاقة وتراجع الضغط البيئي وإعادة تصميم المدن المكتظة، لكنه يحذر من تداعيات اقتصادية واجتماعية هائلة، أبرزها انهيار أنظمة التقاعد والضمان الصحي، وإغلاق المدارس والمستشفيات، وتفكك المجتمعات المحلية.
ويطرح التقرير مثالًا صادمًا عن تايلاند، التي يبلغ عدد سكانها اليوم نحو 63 مليون نسمة، إذ يتوقع الخبير الاقتصادي أنه إذا استمر معدل الخصوبة الحالي عند 0.8 لمدة 200 عام، فقد يتراجع عدد السكان إلى نحو مليوني نسمة فقط.
كما يلفت التقرير إلى أن تراجع الولادات سيدفع دولًا كثيرة للاعتماد بشكل أكبر على الهجرة لتعويض النقص السكاني، ما قد يولد أزمات سياسية وهوياتية داخل المجتمعات الغربية والآسيوية، خصوصًا مع تصاعد التيارات الشعبوية الرافضة للهجرة.
وفي واحدة من أكثر النقاط إثارة في التقرير، يؤكد فرنانديز-فيافيردي أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد اقتصاديًا في تعويض النقص البشري، لكنه لن يكون قادرًا على تعويض انهيار الروابط الاجتماعية والثقافية الناتج عن تقلص المجتمعات واختفاء أنماط الحياة التقليدية.
ويخلص التقرير إلى أن العالم قد يكون دخل بالفعل مرحلة “الانكماش السكاني الكبير”، في تحول لا يغيّر فقط شكل الاقتصادات، بل يعيد رسم صورة المجتمعات والدول والهوية الإنسانية نفسها خلال العقود المقبلة.

