مناطق وبلديات

تاريخ الموارنة..من خسارة بلاد جبيل والبترون الى خراب كسروان مرورا بسقوط طرابلس

مع نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر شهدت ما يصفه الأب بطرس ضو في كتابه “تاريخ الموارنة” بثلاث قمم شاهقة للبطولة :

عام 1281 : مقاومة اهدن وموارنة وادي قاديشا لإعتداء المماليك.
– عامي 1292 و1293 انتصار موارنة جبيل والبترون وجبة بشري على جيوش المماليك وعملائهم في دمشق وطرابلس عند مدينة جبيل.
– عام 1305 انضمام الدروز الى النصارى في كسروان لمقاومة هجوم المماليك وعملائهم.

من ناحية أخرى شهدت الفترة الممتدة بين نهاية القرن الثاني عشر وبداية القرن الرابع عشر عدة فتن وانقسامات بين الموارنة تسبب بها تغلغل السريان اليعاقبة بين الموارنة او تدخل عملاء وجواسيس تمكنوا بواسطة الغش والرشوة من استمالة بعض زعماء الموارنة من مقدمين او بطاركة او رهبان فأدت فتنة في نهاية القرن الثاني عشر سنة 1182 أيام البطريرك لوقا البنهراني الى فصل كسروان معقل المردة بعد ان مال البطريرك الى بدعة اليعاقبة ، وفي هذه المرحلة طلب ملك جبيل الى البطريرك أرميا السفر الى روما لتوثيق العلاقة بها ، كذلك أدت فتنة أخرى في القرن الثالث عشر الى احداث ثغرة في التماسك الماروني بعد انحراف جبة بشري عن المجموعة المارونية مما أدى الى سقوط طرابلس ، كما ان فتنة أخرى حصلت في بداية القرن الرابع عشر نتج عنها تحطيم الاستقلال الماروني . فكان تضامن وتماسك الموارنة سبباً لانتصاراتهم كما كان تقسيمهم وتفريقهم سبباً لأضعافهم وخسارتهم استقلالهم.

نتج عن خراب كسروان سنة 1305 ونزوح معظم موارنته الى العاقورة وغيرها من المناطق شمالي نهر ابراهيم تكثيف الوجود الماروني في بلاد جبيل والبترون واستمر اتصالهم بالافرنج، من جهة، عن طريق قبرص التي أصبحت مملكة افرنجية وانتشر الموارنة في قبرص ورودس ومالطا ، ومن جهة ثانية، عن طريق الاتصال بالكنيسة الرومانية بواسطة الاكليروس اللاتيني والمراسلات، واستمر الافرنج حتى بداية القرن الخامس عشر بشن هجومات على الساحل اللبناني ونزلوا بعض الاحيان في صيدا وبيروت.

خلال سنتي 1366 و 1367 اجتاح المماليك بلاد جبيل ونجم عن ذلك فقدان المنطقة المارونة استقلالها السابق ، ونتيجة لذلك انتقلت القيادة المارونية العسكرية والدينية من بلاد جبيل والبترون حيث كانت مراكز اقامة البطاركة منذ مار يوحنا مارون (+ 710) حتى داود يوحنا (1367 – 1404) في كفرحي ويانوح وايليج ولحفد وهابيل وكفيفان والكفر وحردين. وشهدت تلك الفترة تعيين اول حاكم مسلم على الموارنة، وأمعن المماليك في اضطهاد الموارنة واخضاعهم لشتى انواع القهر والذل والجور مما اضطر الكثيرين منهم الى اعتناق الاسلام للتخلص من تعسف المماليك الذين هدموا الكنائس في لبنان ومصر ونهبوا اموال المسيحين وأباحوا دمهم وسلّطوا الحكام المحليين عليهم .

خلال النصف الثاني من القرن الخامس عشر زار الأب فرانسسكو سوريانو FRANCESCO SURIANO لبنان وكان معتمد البابا لدى الموارنة ، وأشار الى مدينة جبيل على النحو التالي :
“لهذه المدينة مرفأ حسن وازدهرت في عهد أمراء جنوا ولكنها الآن خربة مهجورة . في هذه المدينة شاهدت كنائس عظيمة متهدمة تماماً” .
في أواخر القرن الخامس عشر ابتدأت بعض القبائل الشيعية تتسرب الى أرض الموارنة حسبما جاء في كتاب الخوري لويس الهاشم ” تاريخ العاقورة ” وكانت القافلة الاولى تتألف من عشيرة المستراحية ثم تبعها عشيرة الحمادية التي حكمت بلاد جبيل والبترون مدة من الزمن ذاق فيها الأهالي الأمرّين .

إثر قيام الدولة العثمانية مع محمد الفاتح وبايزيد ومع انتصار السلطان العثماني سليم الاول على المماليك بقيادة ملك مصر قانصوه الغوري في مرج دابق سنة 1516 ثم في مصر انتقل الحكم من المماليك في القاهرة الى الاتراك في القسطنطينية او استانبول، ووقعت بلاد جبيل منذ بداية الفتح العثماني تحت حكم العسافيين امراء كسروان واقام هؤلاء على بلاد جبيل مقدمين مسلمين في بادء الامر ثم اقاموا بني حمادة الشيعيين ولاة على جبيل وآل حمادة حسب الدويهي في “تاريخ الأزمنة” قدموا من بخارى العجم الى لبنان في ايام المماليك ونزلوا في الحصين ثم في قهمز وتفرقوا في جبة المنيطرة وفي وادي علمات، وقد ورد في روزنامة انطوش جبيل “ان الخراب تولى على بلاد جبيل لا سيما ايام حكم المتاولة فكان قوم يربطون الطرق في وسط السهل لينهبوا المارين به”.

سنة 1572 امتد حكم الامير منصور ابن عساف من نهر الكلب الى حدود حمص وحماه، وقوي في المال والرجال، وبنى قصرا عظيما في جبيل وبنى جامعا وخانا في غزير، وجر الماءمن تحت عرمون كسروان الى وسط البلد. وسنة 1590 جمع الامير محمد بن عساف الرجال وسار لطرد يوسف باشا بن سيفا من بلاد عكار ولما بلغ يوسف باشا ذلك جمع رجاله وكمن له في العقبة التي بين البترون وبين المسيلحة وقتلوه هناك ، ولم يكن له ولد، فانقطع ذكر بيت عساف وكان لهم في بلاد كسروان 232 سنة.

عام 1618 ولّى الأمير فخر الدين المعني الشيخ ابا نادر الخازن على بلاد جبيل فتوطن بعض النصارى في البلاد وركبوا الخيل بسروج ولفوا عمائم بيض ولبسوا مناطق وسيوف مرصعة، وقدم المرسلون من بلاد الافرنج وسكنوا في جبل لبنان. وخللا الفترة بين 1634 و1637 حكم آل سيفا طرابلس والبترون وجبيل والمنيطرة، وفي سنة 1638 صدرت اوامر شريفة بأن تسلخ بلاد جبيل والبترون وجبة بشري عن ايالة طرابلس وتتبع ايالة الشام. وفي سنة 1645 اذ تشيدت امور المشايخ اولاد الحسامي بادروا الى ترميم ما كان تعطل في قلعة جبيل وسور المدينة بسبب الوقائع التي حدثت بها وبسبب ترك السكن بها . وتشير حاشية في الروزنامة عينها الى “ان اولاد الحسامي هم من جملة النصارى الذين كانوا يسكنون بلاد جبيل ولكن لما تقوت الاسلام وضعفت النصارى فقد اسلموا كما هم للآن ما برحوا مسلمين يسكنون هذه المدينة وقد كانوا نالوا شرفاً في دولة النصارى ثم لما أسلموا نالوا في دولة الاسلام” .

سنة 1676 صدرت الاوامر لتثبيت حسن باشا على ايالة طرابلس فولى الحاج حسين ابن الحسامي على جبيل والحاج باز ابن ابي رعد على البترون الا ان نزاعا نشب بين الاثنين قتل خلاله الحاج باز في لحفد فسار حسن باشا بجيشه الى بلاد جبيل وقتل شيخ البربارة وقبض على آل الحسامي ومشايخ غرزوز وغرّمهم لانهم صرّفوا آل حمادة في املاكهم، ثم امر بحرق قرى وادي علمات وقرى جبة المنيطرة . بعدها قام آل حمادة بحرق بلاد جبيل وبلاد البترون فخرج جميع الأهالي ونزحوا وتفرقوا في جميع البلاد واستوطنوا فيها ولم يرجع احد منهم الى بلاد جبيل.

وعام 1686 نزل آل حمادة الى جبيل وأحرقوا القلعة ونهبوا المدينة فهرب ابن الحسامي بعياله الى بيروت. واعيدت جبيل الى ابن الحسامي سنة 1692 بعد عزل والي طرابلس. واستمرت جبيل ترزح تحت الخراب الى ان حضر اليها الأمير يوسف الشهابي سنة 1763. ونقرأ النص المدون في روزنامة انطوش جبيل : “حضر الى جبيل الأمير يوسف الشهابي من اللاذقية سنة 1763 واستقر فيها والياً وكان عمره اذ ذاك ست عشر سنة وعظم فيها شأنه اذ قدم اليه الكثير من المشايخ والأوجه من جبل الشوف وكسروان” وكان مدبره الشيخ سعد الخوري.

يصف الشيخ اسعد جرمانوس فتح جبيل بين 5 و15 تشرين الاول 1763 كالتالي : انتهت حال قلعة ومدينة جبيل بتسلم فرقة من “التفنكجية” بقيادة عيد آغا وكانوا قد عاثوا فساداً بأهل المدينة حتى انهم طردوا الحساميين منها برغم انهم من السّنة لتعاطفهم مع الأمير يوسف ، كما انهم حولوا كنيستها مار يوحنا مرقص الى اسطبل لخيلهم، فحاصر الأمير ومدبره الشيخ سعد الخوري البلدة ، وكان سورها قديماً ومنيعاً وقلعتها حصينة فلم يتمكن عسكر البلاد منها ، حتى حضر رئيس عام الرهبنة الأب عمانوئيل الرشماني عند الشيخ سعد الخوري وعرض عليه احتلال البلدة مع رهبانه على ان تبقى جميع كنائس المدينة في يد الرهبنة وبعد ان استشار الشيخ سعد الامير يوسف وافق على طلب الرئيس العام، فجمع هذا الأخير عند المساء جمهور رهبانه وكان عددهم يفوق المئتين وبعد ان تناولوا طعام العشاء ناموا باكراً، وفي آخر الليل استيقظوا وصلّوا وتوجهوا الى بوابة السور وتسلقوه مستعينين بأحزمتهم الجلدية وقتلوا الخفير وفتحوا باب المدينة لجيش الأمير الذي دخلها ظافراً واستسلم ما تبقى من الحامية. * تفنكجية – ارناؤط – هوارة : تسميات لفرق عسكرية وبالفعل أنعم عليهم الأمير يوسف بجميع كنائس مدينة جبيل وقفاً أبديا فنظفوا كنيسة مار يوحنا مرقس وغسلوها بماء “الورد” وأعادوا تكريسها ، كما انهم أقاموا مزاراً للسيدة العذراء على باب المدينة الذي فتحوه أمام جيش الأمير وهذا النصب لا يزال قائماً حتى الآن ويدعى سيدة البوابة . استقر الحكم للأمير يوسف في بلاد جبيل والبترون وجبة بشري وارتفع أمره وعلا شأنه وتقلد تدبير الامور الشيخ سعد الخوري الصالح من رشميا بمعاونة الشيخ سمعان البيطار من غوسطا . فعمرت البلاد مجدداً ورجع المهجرون من الشوف وقبرص وأعيد بناء القرى والدساكر وفتحت مدارس كانت قد أفقلت أبوابها مثل مدرسة كفرحي. فمال اليه أهل البلاد كافة . أصف الى ذلك التنظيمات التي قام بها الشيخ سعد الخوري تنظيمات سياسية وادارية واجتماعية لا يزال مفعولها في لبنان حتى يومنا هذا” . تجدر الاشارة الى ان الشيخ سعد الخوري توفي سنة 1786 وهو مدفون في كنيسة مار يوحنا مرقس ويشير الى ذلك اللوحة المثبتة تحت قبة الجرس. ورد في روزنامة الأنطوش وقائع تلك الفترة فيما خص الكنيسة : … الشيخ سعد الخوري الريشمياني كان مدبّراً عند الأمير يوسف والشيخ سمعان البيطار الغوسطاوي كان كذلك من أعوان الأمير وكان اثناهما غيورين على بني مذهبهما النصارى وكانا يستميلان الأمير نحو النصارى.

زر الذهاب إلى الأعلى