featuredاخبار لبنان - Lebanon News

السلم المبني على توازن الرعب يبقى هشّاً

كتب بسام ضو في الجمهورية

يسيطر حاليًا توجّه لدى منظمة الأمم المتحدة، وخصوصًا بعد نهاية الحرب التي وُصِّفتْ بالـ»الباردة»، معالجة أسباب تهديد السلم والأمن الدوليين بشكل واسع. ويتمّ هذا الأمر من خلال تطوير واعتماد أساليب دبلوماسية في ما بات يُعرف بـ»إدارة الأزمات»، وانسجامًا مع بروز مجموعة من المتغيِّرات التي كان لها انعكاسات على واقع عمل المنظمة.

إنّ التطورات الدراماتيكية السلبية فرضت على منظمة الأمم المتحدة تطوير آليات عملها في هذا الميدان، وهـو ما أسفر عن سعيها الدؤوب لتوسيع مفهوم السلم والأمن الدوليين ليشمل أبعادًا سياسية – إنسانية – أمنية – إجتماعية – إقتصادية – تنمويّة، وهذا يعني أنّ مفهوم السلم والأمن الإجتماعي يخرجان من الإطار التقليدي الذي كان يحمل الأبعاد العسكرية لينطلق نحو تصوّر جديد بصفات إنسانية بحتة تتطلبها راحة الشعوب واستقرار الأوطان.

بالإشارة للعديد من الدراسات التي تصدرها منظمة Unesco حيث تُعرِّف أنّ السلام هـو «مصطلح ضد الحرب وغياب الإضطرابات وأعمال العنف والحروب مثل: الإرهاب – الميليشيات المسلّحة – النزاعات الإتنية – النزاعات الطائفية – النزاعات الحدودية المناطقية، وذلك لاعتبارات سياسية أو إقتصادية أو عرقية». كما أنّ السلام وفقًا للمنظمات الدولية يأتي بمعنى الأمان والاستقرار والإنسجام… وبناءً عليه، يكون السلام حالة إيجابية مرغوبة تسعى إليه جميع الدول ويتم ذلك من خلال عقد إتفاقات فيما بينها للوصول إلى حالة من الإستقرار. فالسلام في هذا التعريف الأممي لا يعني وجود الإضطرابات بكافة أشكالها وإنما يعني السعي في الوصول إلى مظاهـر إيجابية بعيدة كل البُعد عن الحروب والدمار والقتل والتشريد ولغة التهديد المتبادلة.

ترتكز وسائل نشر ثقافة السلام على العديد من المبادىء، أختصر بعضها وهي: ثقافة السلام من أجل العيش الكريم والمُصان، ثقافة السلام من خلال تنمية سياسية – أمنية – إقتصادية – إجتماعية مستدامة، ثقافة السلام المبنية على إحترام جميع حقوق الإنسان – ثقافة السلام المبنية على إحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، ثقافة السلام المبنية على التواصل التشاركي والتدفق الحر للمعلومات والمعرفة، ثقافة السلام المبنية على المشاركة الديمقراطية في ممارسة العمل السياسي، ثقافة السلام من خلال توظيف التعليم من أجل السلام لا بتوظيف الحقد وبناء جيل متحجِّرْ، ثقافة السلام المبنية على تمكين الشباب وتعزيز طاقاتهم الإبداعية، ثقافة السلام المبنية على التضامن الإجتماعي لا على الكراهية، ثقافة السلام المبنية على ترسيخ مبادىء الديمقراطية بين الدول.

يبدو أنّ في لبنان مبدأ تغيير ثقافة السلام أو ما يُعرف بـ Peace Culture تعبيرًا غامضًا لأنّ الوضع محكوم بأمر واقع ينتهج سياسة الحروب والتهديد، الأمر الذي يستوجب التدقيق وبحث مستفيض بروّية. والوضع القائم في لبنان كفيل بإلغاء ظلال هذه الثقافة السلمية الحضارية ما يُوفّرْ إحساسًا أنّ لبنان بقعة تهديد ونار وأصولية وفوضى مستشرية. لذلك، بات من الضروري توضيح مفهوم ثقافة السلام من خلال ندوات ومحاضرات تحمل أبعادًا وطرق تحقيق السلام الصادق وليس الهش، على اعتبار أنّ ثقافة السلام هي ثقافة للتعايش والتشارك المبنية على مبادىء الحرية والعدالة والديمقراطية والتسامح والتضامن، ثقافة ترفض العنف بكل وجوهه وتدعو لحل كل المشاكل عن طريق الحـوار والتفاوض، حيث اعتمدت الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (Unesco) برنامج ثقافة السلام في العام 1992 كاستراتيجية لبناء السلام والمصالحة في مرحلة ما بعد النزاعات.

للتذكير أنه في العام 2000 أُنشِئت مؤسسة ثقافة السلام وذلك في الإسهام ببناء وتدعيم ثقافة السلام من خلال التفكير والبحوث والتعليم والعمل الصادق الحر، ونذكر أنّ المؤسسة تابعت نشاط تنفيذ إعلان وبرنامج الأمم المتحدة والأنشطة التي نفذت أثناء العقد الدولي، ونضيف أنّ المؤسسة طبقًا للقرار 59/143 الذي صدر بتاريخ 15 كانون الأول 2004 التقرير العالمي الحالي عن ثقافة السلام وقدمته إلى الأمين العام للأمم المتحدة لكي تنظر فيه الجمعية العامة، ويضمّ هذا التقرير كل المواضيع التي تطرقت إليها، وهو مكوّن ما يُقارب من 700 منظمة على مستوى العالم التي حلّلت الأنشطة لتعزير ثقافة السلام وعدم العنف وكذلك التقدُّمْ في مجالات السلم.
في خضمّ الوضع القائم في لبنان والمبني على سلام مفقود مُرتكز على ما يُعرف بـ «توازن الرعب»، حيث فلسفة توازن الرعب أو الغاية منه هي الردع، وبات معروفًا أنه تقوم قواعد ضمنية بين مجموعة من اللبنانيين تملك السلاح، وهذا الأمر الذي يُتيح في غمرة هذه التجاذبات الإيديولوجية والتسلّح غير الشرعي وجود سلم هَش على طرف الحدود اللبنانية حيث لا سبيل للتعايش السلمي أو التوافقي ومبدأ تحديد السلاح أو نزعه. والتجاذبات الحاصلة على الحدود اللبنانية لا تستبعد إمكانية استعمال السلاح مثلما لوّح أحد أطراف النزاع منذ فترة، وليس مستبعدًا أن يخضع لبنان لقواعد كتلك التي سادت في الأعوام السابقة (1987 – 1982 – 2006) ومنها الإجتياحات أو توازن الرعب أو الردع…

السلم المبني على توازن الرعب يبقى هشاً، وهو مبدأ وليس نظرية ثقافية علمية بسبب تعرّض البلاد لخطر الدمار والإجتياحات التي قد تحدث في إطار القوى الكبرى الإقليمية والعلاقات الدولية. وفي ضوء هذا المبدأ يمكن توليد ضغوط متبادلة ومتعادلة هشّة قد تحدث اختلالا مُضِّرًا في الجمهورية اللبنانية مع سعي الدول الإقليمية والدولية إلى نشر نفوذها ودعم أحلافها وعلاقاتها مع الأطراف الفاعلة على الأرض اللبنانية بإستثناء الدولة المركزية.

المطلوب اليوم على المستوى اللبناني خفض الصراعات على المستويات السياسية – الأمنية – الإقتصادية – الإجتماعية – الثقافية وغيرها من المستويات، وتكوين سد منيع ضد الصراعات المحتدمة عسكريًا. إنّ لبنان لا يستطيع أن ينعم بالإستقرار إلاّ إذا استوفى عدّة مقومات، وفي حال اختلال هذه المقومات كما هي الحال حاليًا تتوسّع زاوية الخلل بقدر انحراف كل مقوّم عن مؤشر الإستقامة. وعمليًا يتجه لبنان نحو التدهور وربما سيصل في هذه الحال إلى الإنهيار الشامل والسقوط الكامل. المطلوب اليوم من المجتمعَين السياسيين اللبناني والدولي، لتحقيق السلم والتوازن، احترام الدستور اللبناني ودعم الإستقرار اللبناني ودعم العدل وإعطاء الحقوق للشعوب ومتانة اقتصادية وبَلورة أمن إجتماعي سليم. وإنْ لم تتوفّر هذه الشروط سنبقى في دوّامة السلم الهش المبني على توازن الرعب.

زر الذهاب إلى الأعلى