أعمال ومال

سندات اليوروبندز… سيادة مبعثرة وحياد متعثّر

كتبت د. سابين الكك في الجمهورية
عرف النظام المالي اللبناني نهجاً متطرفاً في سياسات الاقتراض، تسبّب بنكباتٍ اقتصادية في مراحل عدة. واستسهَلت الحكومات المتعاقبة بدعة القروض السيادية، مُعوِّلة على مساعدات أصدقاء لبنان والمنظمات المالية والدولية، المتوجّسة على حضارة العولمة العبثية والقابعة على جنوح الرأسمالية المتفلّتة.
مع إعلان الحكومة اللبنانية التخلف عن الإيفاء، حصل تحوّل في أزمة الديون السيادية في اتجاه مسار لا رجعة فيه إلى الوراء، حتى لو كنّا نشهد حتى الآن سياسة ضبط النفس من الدائنين حملة السندات إلّا أنّ حقهم باتخاذ الإجراءات القانونية سيطلّ بعواقبه المالية فور فشل مساعي الدول الصديقة ومفاوضات صندوق النقد الدولي. ومثل سرعة انتشار وباء كورونا، كذلك شعر اللبنانيون بتدهور أحوالهم الاجتماعية حين انزلقت المصارف تحت مغامراتها الاستثمارية غير المضبوطة والدولة على منصّات البورصات غير المنظّمة أصلاً.

إستمر رهان حكومة تصريف الأعمال المتعثرة يعتمد بشكل رئيسي على صندوق النقد الدولي بهدف الاستحصال على قروض طارئة. لكنّ غوغائية هذا التوجّه كانت أمراً محتوماً؛ من الناحية الدولية، بسبب ارتفاع معدل الركود العالمي والالتزام بأولوية المساعدات الانسانية لتلبية الحاجات الصحية. ومن الناحية الداخلية، بسبب الامتناع عن تنفيذ متطلبات مؤتمر سيدر والتخبّط في مقاربة الأزمة، أسباباً وحلولاً، كما والعبث في إتمام مفاوضات جدية، شكلاً ومضموناً.

أمّا الآن، وبعد أن فرضت سندات اليوروبندز مخاطرها الكبيرة على السيادة اللبنانية، ما زالت السلطة السياسية تمعن في الاستهتار أمام الدائنين وفي إغفال تداعيات انتقال سندات الديون إلى الصناديق الانتهازية، في أعقاب ما يسمّيه الاقتصاديون «التوقف المفاجئ» عن الدفع.

ولا عجب من ذلك أبداً، لأنه لو كانت هذه الطبقة الحاكمة تأبه للتكاليف السياسية الباهظة المترتبة على إصدارات اليوروبندز، لكنّا سمعنا صوتاً واحداً رفض الاستدانة وما حققته من ثرواتٍ في حسابات مصرفية خارجية. أصواتٌ خفتت طمعاً حتى انقضّ فسادها على نيترات الموت، الذي أبى وعلى غفلة من التاريخ، إلّا أن ينتفض على هشاشة النظام اللبناني ويحصد إهراءات المرفأ جثثاً وأشلاء تحت رماد سيادة الارهاب.

اليوم، وبدل تضافر الجهود السياسية الداخلية للتلاقي مع الاهتمام الخارجي بغية السعي الجدي لإمكانية تعديل قوانين الحصانة السيادية في الولايات المتحدة وصلاحياتها القضائية لتجنيب لبنان مخاضاً قانونياً مؤلماً وغامضاً، ها هي السلطة السياسية تحبط المحاولات الفرنسية لتأليف «حكومة إدارة الأزمة».

في 5 تموز انطلق طرح بكركي الوطني في أبعاده السيادية، متعثراً في سياقه الزمني بعد أن أصبح التوقف عن دفع الديون الخارجية أمراً نافذاً. لأنه مع تردي الحالة سوءاً عقب انفجار 4 آب، لا بدّ من تضافر الجهود الداخلية والدولية في سَعي جبّار للحدّ من آثار أزمة ديونٍ ستكون مدّمرة اجتماعياً. في هذا الصدد، نَجزُم بفراغ بيانات معارضي الحياد الناشط من جدواها التخوينية، ولبنان سيادياً يرزح تحت سيطرة الملاحقات المالية وتَبعية الدولرة النقدية بنتيجة ما آلت إليه سياسات اقتصادية اعتنقتها الطبقة الحاكمة، «كلها يعني كلها»، لعقودٍ من الزمن جعلت خيار النأي بالنفس عن التجاذبات المشيطنة للمصالح الأميركية معطّلاً بإخضاع المسارات المالية اللبنانية لسلطة أميركا القضائية.

فعلياً، لا بد من تدخل صندوق النقد الدولي، حيث أمكن، مع الدائنين الخارجيين لِحثّهم على الاستمرار في سياسة الصبر تجاه لبنان. كما، والبدء في عملية مفاوضات مع السلطات الأميركية، إذ لرئيس الجمهورية هناك صلاحيات واسعة تتيح له التدخل في مسائل الديون السيادية والأسواق الناشئة، المؤثرة بطبيعتها على العلاقات الخارجية الاميركية. وأيضاً الدفع قدماً لاستصدار تعديلات تسمح لقضاة المحاكم الفدرالية بوقف ملاحقات قضائية ممكنة ضد الدولة اللبنانية، استناداً لشهادة يقدمها صندوق النقد الدولي للتأكيد على تكاليف الديون الباهظة على لبنان. هذا الاجراء يعادل محلياً معاملة وقف التنفيذ على أموال المدين.

في هذا الإطار، نستذكر على سبيل المثال أنه عام 2003 صدر عن مجلس الأمن الدولي قرار أوجَد بموجبه حصانة قانونية عالمية لأصول النفط في العراق ما بعد صدام حسين، وذلك لحمايتها من «جميع أشكال الإجراءات القضائية». وكان أحد الأهداف في حينها تفريغ أي توقعات من جانب الدائنين بالقدرة على الاستيلاء على الأصول العراقية في الخارج، واستطراداً تعطيل برنامج الانتعاش الاقتصادي الذي كان قد وضع قيد التنفيذ.

في منشور صحفي، يطالب ليي بوخيت، Lee Buchheit، الشريك السابق في كليري غوتليب والمستشار العام السابق في صندوق النقد الدولي وأستاذ كلية الحقوق، حَمَلة سندات الديون السيادية بالالتفات برأفة نحو الدول المديونة في الأسواق الناشئة، خاصة تلك البلدان ذات الموارد المالية الهشّة والمستويات العالية من الفقر. ويؤكد بوخيت، في مقاله، أنّ هناك ضرورة عاجلة لاتخاذ إجراءات حاسمة لتحصين هذه البلدان المفلسة من سطوة الدائنين الانتهازيين. ولكن، ماذا لو كانت الدولة المدينة لا تساعد نفسها من درء مخاطر الديون السيادية المحيطة بها، كما الخيار الذي تنتهجه الدولة اللبنانية؟

في لبنان، إستفحلت سلطة السياسة والمال في عبقرية الاقتراض السيادي وهندسات سندات اليوروبوندز… أمّا الحقيقة فهي أنّ هذه الديون ما هي سوى سندات ادّخَرها الآباء من ودائع العمر وسيدفعها الابناء من أحلام المستقبل… إصداراتٌ فاسدة بعثرت سيادة الدولة وعبثت بكرامة الوطن.

زر الذهاب إلى الأعلى