21.4 C
بيروت
ديسمبر 3, 2022

الراعي في عظة الأحد: “حذارِ الاستخفافَ باختيارِ رئيسِ الجُمهوريّةِ المقبِل“

حذّر البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي من الاستخفاف باختيارِ رئيسِ الجُمهوريّةِ المقبِل‎.‎

وقال في عظة الأحد: “ننتخب رئيسًا لاستعادةِ الاستقلال. فأيُّ خيارٍ جيّدٍ يُنقذُ لبنانَ، وأيُّ خيار سيّء يُدهورُه. إنَّ قيمةَ الإنسانِ أن يُقيِّمَ ‏المسؤوليّةَ الـمُناطةَ به، فلا يجازفُ بها ولا يساوم عليها. لذلك نناشد النوّاب ألّا يَقعوا من جهةٍ ضحيّةَ الغِشِّ والتضليلِ والتسوياتِ ‏والوعودِ الانتخابيّةِ العابرة، ومن جهةٍ أخرى فريسة السطوة والتهديد والوعيد. ونحن أصلًا شعبٌ لا يَخضعُ لأيِّ تهديدٍ، ورئيسُ لبنان لا ‏يُنتخَبُ بالتهديدِ والفَرْض‎”.‎

وأضاف: “كم يؤلمنا عندما نرى المجلس النيابي يهدر الزمن خميسًا بعد خميس، وأسبوعًا بعد أسبوع في مسرحيّة هزليّة لا يخجلون ‏منها، وهم يستخفّون بانتخاب رئيس للبلاد في أدقّ الظروف. إنّنا نحمّلهم مسؤوليّة خراب الدولة وتفكيكها وإفقار شعبها. تُطِلُّ علينا بعد ‏يومين ذكرى الاستقلالِ في غيابِ الشعورِ بها، كأنَّ اللبنانيّين يَخجلون من أنفسِهم ويُدركون أنهم نالوا استقلالهَم سنةَ 1943 لكنّهم لم ‏يحافظوا عليه، وتَناوبَ عليهم من يومِها أكثرُ من احتلالٍ ووصاية. تأتي ذكرى الاستقلال هذه السنة شاغرة وفارغة هي أيضًا من ‏معانيها وأبعادِها. إذ ليس الاستقلال أنْ يخرج الأجنبيُّ من لبنان بل أن يدخل اللبنانيّون إلى لبنان. والحالُ أنّنا نرى فئاتٍ لبنانيّةً تَستجدي ‏الوصايةَ وتَتسوّلُ الاحتلال وتشحذُ التبعيّة‏‎”.‎

وتابع: “حذارِ الاستخفافَ باختيارِ رئيسِ الجُمهوريّةِ المقبِل. نحن ننتخب رئيسًا لاستعادةِ الاستقلال. فأيُّ خيارٍ جيّدٍ يُنقذُ لبنانَ، وأيُّ خيار ‏سيّء يُدهورُه. إنَّ قيمةَ الإنسانِ أن يُقيِّمَ المسؤوليّةَ الـمُناطةَ به، فلا يجازفُ بها ولا يساوم عليها. لذلك نناشد النوّاب ألّا يَقعوا من جهةٍ ‏ضحيّةَ الغِشِّ والتضليلِ والتسوياتِ والوعودِ الانتخابيّةِ العابرة، ومن جهةٍ أخرى فريسة السطوة والتهديد والوعيد. ونحن أصلًا شعبٌ لا ‏يَخضعُ لأيِّ تهديدٍ، ورئيسُ لبنان لا يُنتخَبُ بالتهديدِ والفَرْض‎”.‎

وأشار الراعي إلى أنّ “في هذا المجال، لا يستطيعُ أيُّ مسؤولٍ أو نائبٍ ادعاءَ تجاهلِ الواقعِ اللبنانيِّ والحلولِ المناسِبة له. فكلُّ ‏اللبنانيّين، نوابًا ومواطنين، يَعرفون سببَ مشاكلِ لبنان والقِوى والجهاتِ والعوائقَ التي تَحول دونَ إنقاذِه. فلا أحدَ يَضعُ رأسَه في ‏الرِمال. وبالتالي لا عُذرَ لأيِّ نائبٍ بألّا يَنتخبَ الرئيسَ المناسبَ للبنانَ في هذه الظروف. هذا خِيارٌ تاريخيٌّ. فسوءُ الاختيارِ، في هذه ‏الحال، يَكشِفُ عن إرادةٍ سلبيّةٍ تجاه لبنان فيُمدِّدُ المأساةَ عوضَ أن يُنهيَها، وتكون خطيئتُكم عظيمة. فلنكن أسيادَ أمّتِنا ومصيرِنا‎”.‎

ولفت إلى أنّه “بعيدًا عن الصفاتِ المتداولةِ بشأنِ رئيسِ تحدٍ أو رئيسِ وفاق وما إلى ذلك من كلماتٍ فَقدت معناها اللغَويَّ والسياسيِّ، ‏تحتاجُ البلادُ إلى رئيسٍ مُنقِذٍ يُعلن التزامَه الحاسمَ بمشروعِ إخراجِ لبنان من أزْمته، ويلتزم بما يلي‎: ‎
‎1. ‎تأليفُ حكومةِ إنقاذٍ قادرةٍ على القيامِ بالمسؤوليّاتِ الكبيرةِ المناطَةِ بها في بداية العهدِ الجديد‎.‎
‎2. ‎إحياءُ العملِ بالدستورِ اللبناني والالتزامُ به إطارًا للسلمِ اللبنانيِّ، ومرجِعيّةً لأيِّ قرارٍ وطنيّ، واعتبارُ اتفاق الطائف منطلقًا لأيٍّ تَطورٍ ‏حقوقيٍّ من شأنِه أن يُرسِّخَ العدالةَ بين اللبنانيّين. كما لا بدّ للمسؤولين في أيِّ موقِعٍ كانوا من احترامِ الميثاقِ الوطنيّ والأعراف لتقويةِ ‏الوِحدةِ الوطنيّةِ، ولضمانِ حسنِ العلاقةِ بين رئاسةِ الجمهوريّة ومجلسِ النوّابِ ومجلسِ الوزراء‎.‎
‎3. ‎إعادةُ الشراكةِ الوطنيّةِ وتعزيزُها بين مختلَفِ مكوّناتِ الأمّةِ اللبنانيّةِ ليَستعيدَ لبنانُ ميزاته ورسالته‎.‎
‎4. ‎الشروعُ بتطبيقِ اللامركزيّةِ الموسّعةِ على صعيدٍ مناطقيِّ في إطارِ الكيانِ اللبنانيِّ بحيث تَتجلّى التعدّديّةُ بأبعادِها الحضاريّةِ ‏والإداريّةِ والإنمائيّةِ والعامّةِ، فتتكاملُ المناطقُ على أساسٍ عادلٍ‎.‎
‎5. ‎البَدءُ الفوريُّ بتنفيذِ البرامج الإصلاحيّةِ السياسيّةِ والإداريّةِ والقضائيّةِ والاقتصاديّة‎.‎
‎6. ‎دعوةُ الدول الشقيقة والصديقة إلى تنظيم مؤتمر لمساعدة لبنان أو إحياءِ المؤتمرات السابقة وترجمتِها سريعًا على أرض الواقع، ‏وتطبيق قرارات مجلس الأمن المختصّة ببسط السلطة اللبنانيّة الشرعيّة على كامل أراضي البلاد، مع تثبيت حدوده مع كلّ من ‏إسرائيل وسوريا‎.‎
‎7. ‎إيجادُ حلٍّ نهائيٍّ وإنسانيّ لموضوعَي اللاجئين الفِلسطينيّين في لبنان والنازحين السوريّين، لأنّهم أصبحوا على لبنان عبئًا ثقيلًا ‏إقتصاديًّا وإجتماعيًّا وأمنيًا وديموغرافيًّا‎.‎
‎8. ‎إخراجُ لبنانَ من المحاورِ التي أضَرّت به وغيّرت نظامَه وهُويّتَه، ومن العزلة التي بات يعيش فيها، والعمل على إعلان حياده‎.‎
‎9. ‎أخذُ مبادرةٍ رئاسيّةٍ إلى دعوةِ الأممِ المتّحدةِ بإلحاحٍ إلى رعايّةِ مؤتمرٍ خاصٍّ بلبنان، والقيامُ بجميعِ الاتّصالاتِ العربيّةِ والدُوليّةِ لتأمين ‏انعقادِ هذا المؤتمر، وقدّ حدّدنا نقاط بحثه أكثر من مرّة‎.‎
‎7. ‎زارنا أوّل من أمس المجلس التنفيذي لنقابة المعلّمين في المدارس الخاصّة وشكوا إلينا همومهم. معروف أن ّهذه النقابة تدير شؤون ‏حوالي خمسة وخمسين ألف معلم ومعلّمة في القطاع الخاص، وأنّ القطاع التربوي يشكّل أحد مداميك لبنان الحديث، ويجب حمايته من ‏الإنهيار، حفاظًا على أجيالنا الطالعة. ما يقتضي الحفاظ على قيمة المعلم وتعزيز حضوره وإعطائه حقوقه كي يقوى على الاستمرار في ‏أداء مسؤولياته في ظلّ سعر للصرف يتخطّى الأربعين ألف ليرة لبنانية وبمعدلات غير مسبوقة للتضخّم. فلا بدّ من إنصافهم لكي ‏يتمكّنوا من مواصلة أدائهم ورسالتهم براحة البال‎.‎
أمّا رواتب المتقاعدين، في صندوق التقاعد، فتتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين ليرة لبنانية، بالإضافة إلى أنّ بعض المصارف لا ‏تعطيهم المبلغ كاملًا، أو تعطيهم بدلًا منه بطاقة شرائية. وهل يجوز هذا التعامل مع معلّم أفنى سنوات عمره في تعليم الأجيال الطالعة، ‏ألا يستطيع تأمين الحدّ الأدنى من مستلزمات العيش الكريم في هذه الظروف؟‎!‎
‎8. ‎مرّة أخرى نحثّ السادة النواب لإنتخاب رئيس جديد للجمهوريّة، لكي تتكوّن السلطات مع فصلها. نسأل الله أن يمسّ ضمائرهم إنقاذًا ‏لبلادنا وشعبنا. فنرفع له الشكر كلّ حين، الآب والإبن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين‎”.‎