27.4 C
بيروت
أكتوبر 5, 2022

دورة ألعاب رئاسية

كتب د. قصي الحسين في “اللواء”

يتحضر لبنان لدورة ألعاب، تجري في مناطقه تباعا في كل مناطقه، حتى إكتمالها في جلسة الإنتخابات، المخصصة لإنتخاب رئيس للجمهورية في البرلمان. وذلك كل ست سنوات.
تتميز دورة الألعاب اللبنانية هذة، بأنها حرة، ومفتوحة، وغير مقيدة، بزمان أو مكان في لبنان. إلا أنها تشترط أن تتم على الأرض اللبنانية. وأن يكون الناخبون من النواب اللبنانيين. يأتيهم الإسم في الربع ساعة الأخيرة الحاسمة من خارج لبنان. فيفرح من يفرح. ويحزن من يحزن. ويلتئم النواب الأكثريون المتجاوبون، لإنتخاب هذا الإسم بالذات. وينتخبونه، على أنه الرئيس العتيد. وأنه إنتخب بإرادة لبنانية. وأن دورة الألعاب في المناطق، كما في إجتماع مجلس النواب، إنما هي لبنانية مائة بالمئة.

ما هذا الضجيج الداخلي إذاً، الذي إفتتح على مصراعيه الآن في لبنان، بعد دخول مهلة الشهرين، التي تسبق موعد مغادرة الرئيس من القصر. ما هذة النيران العمياء، التي تطلق في الهواء، وتعكر الصفو في جميع المناطق اللبنانية. ما فائدة هذا الكلام التشهيري، العالي النبرة، الذي يخرج من أفواه المسؤولين، فيشعر اللبناني معه، أن أصحابه فاقدو المسؤولية. بل أين يوظف مثل هذا الكلام في الإنتخابات. أين يترجم، ونحن على مبعدة بعيدة جدا من الإتفاق على الإسم، خارج لبنان، بسبب حرارة الطقس، بين روسيا وأوكرانيا. وخلفهما جميع الدول، في المحور الروسي، وفي المحور الأوكراني. بعد أن جعلت هذة الحرب من أوكرانيا محورا، بل قطبا عالميا.

المسؤولون اللبنانيون، وضعوا أنفسهم خارج خدمة البلاد. فما عادوا يتابعون أي ملف من الملفات. وضعوا نصب أعينهم كرسي الرئاسة التي ستشغر بعد شهرين. ونسوا شغور البلاد من الماء والكهرباء منذ عام. نسوا الشغور الحكومي، منذ نصف عام. نسوا شغور الإدارات والجامعات والمدارس. نسوا شغور المستشفيات من الأطباء ومن الموظفين. ومن أدوية الأمراض المزمنة. نسوا إنقطاع الخدمات. نسوا فقدان اللوازم. نسوا إختفاء الجوازات ومعها الطوابع المالية. ومعها معاملات دوائر النفوس، التي أصبحت تدخل إليها من الأبواب الخلفية، مضروبة بسعر الدولار. نسوا أن الألف اللبنانية، يدفعها المواطنون دولارا للسماسرة في دوائر النفوس وفي الدوائر العقارية. وفي مصلحة تسجيل السيارات. وفي كل مصلحة لها علاقة بوزارة من الوزارات.

ما هذة المحنة التي يمر فيها لبنان. من يحرك الرأي العام. من يدفع الناس للنزول إلى الشوارع.

سؤال وجيه: كيف نزلوا إلى الشوارع بالملايين، وصنعوا ثورة تشرين الأول_2018، لأجل بعض السنسانت الزائدة على فاتورة الأنترنيت. وهم لا يتحركون اليوم. غافلون عن سرقة الفواتير بالكامل. غافلون عن قطع خدمات أوجيرو، هاتفا وأنترنيت وكل لوازم تأمين الإتصالات.

نسي المسؤولون هموم اللبنانيين المعيشية. هموم اللبنانيين الحياتية. هموم اللبنانيين اليومية والشهرية والسنوية. هموم الأطفال على أبواب المستشفيات. وهموم التلاميذ والطلاب على أبواب المدارس والجامعات. وهموم الشعب كل الشعب، على أبواب دوائر النفوس والجوازات. وصاروا فيالق، فيالق لدورة الألعاب الرئاسية. يعرفون أنهم يلعبون، في كل المناطق، لأجل إنتخاب رئيس، يرمى إسمه فجأة فوق كل المناطق، وينتخب إنتخابا من النواب. والشعب ينتحب إنتحابا لغلاء فاتورة الماء والكهرباء. والمازوت والبنزين والغاز والدواء، ورغيف الفقراء.

ما هذا «العهر السياسي» الذي يضرب البلاد. إنغمس فيه تجار السياسة ومقاولوها وسماسرتها، لشد العصب الطائفي. لشد العصب المذهبي. لشد العصب الحزبي. فأين مصلحة الشعب، من هذا الفسوق. من هذا العهر السياسي. من هذة التجارة الفاسدة، التي ترهق البلاد. ترهق الأوطان.

دورة الألعاب الرئاسية بدأت، بعد أن دخل لبنان مهلة الشهرين التي تسبق الإنتخابات. أخذ شطار السياسة، يخرجون من ثيابهم، أرانبهم. يرمون في الشوارع جميع أنواع الأفاعي والثعابين، مثل المهرجين. مثل الحواة. يدفعون في طريقهم، بالثعالب، بالعقارب، بالذئاب، وببنات آوى، وبوحش الجوع، يتابعهم إلى جحورهم. إلى منازلهم. إلى فراشهم. ينام معهم. مع أطفالم. يشغلونهم بأنفسهم، لأجل صيد كرسي الرئاسة، بعد أن يشار على المحظوظ منهم بالبنان. لجعلها في خدمة مصالحهم. ومصالح تلك الدول ذات الفاعلية. ذات القرار.

دورة الألعاب الرئاسية، لستة أعوام، قد بدأت في جميع المناطق. وعلى الناس الحذر من رصاصها الطائش. و على الناس الحذر أيضا من الطائشين. فهم ينفحون بالنار هنا. والقاصي والداني، وعموم الناس يعرفون أن القدر خارج البلاد. أن قدر الطبخة هناك. يجعلون الناس يدخلون في حمأة الإنتخابات، وهم في أسوأ أحوالهم. يدعونهم لحمل العصي الطائفية. ولحمل الخناجر المذهبية. ولإطلاق الرصاص الحزبي، عند الإقتضاء. وذلك لأجل رئيس، يسمى في الخارج، وينزل على الناس وعلى نوابهم بالبارشوت. دورة الألعاب الرئاسية، دورة بهلوانية، يلعبها المجانين، ويخسرها الطائشون، ويربحها العقلاء.