27.4 C
بيروت
أكتوبر 5, 2022

القطاع الصحي… من متفوّق إقليميّاً إلى “متسوّل” دولياً

جاء في نداء الوطن:

تناول التقرير الأخير للبنك الدولي عن لبنان وضع القطاع الصحي قبل الأزمة وبعدها. وكان التقرير صدر أوائل الشهر الماضي مستعرضاً تاريخ الازمة المالية وأسبابها، وخصص أجزاء اساسية للخدمات العامة مثل الكهرباء والماء والنقل والتربية والتعليم…

وعن القطاع الصحي قبل الأزمة أكد أن لبنان سجل اتجاهات إيجابية في نتائج الرعاية الصحية الرئيسية في العقد الماضي (2010-2019)، فعلى سبيل المثال كانت نسبة وفيات الأطفال الرضّع متدنية مقارنة مع دول المنطقة. وارتفع متوسط العمر من 63.2 في عام 1960 الى 78.9 في عام 2019، كما انخفضت نسبة وفيات الرضّع من 56 لكل 1000 مولود في عام 2010 الى 7.2 في 2019. هذا وقد ساعد تحسين تقديم الخدمات على دفع عجلة التطور في النتائج الصحية. ويوفر النظام الصحي اللبناني مستويات مرتفعة من الجودة والفعالية والحصول على خدمات الاستشفاء والرعاية الصحية الأولية، حيث احتل لبنان المرتبة 33 من اصل 195 دولة في مؤشر الحصول على الرعاية الصحية والجودة، وتؤمن شبكة من المستشفيات الخاصة والعامة 112 وحدة رعاية للمرضى بينما تؤمن المستشفيات العامة 18% من اسرّة الاستشفاء المتوفرة في الدولة. وتشرف وزارة الصحة على شبكة وطنية تضم حوالى 245 مركزاً للرعاية الصحية الأولية، منها 68% تنتمي الى منظمات غير حكومية و13% منها حكومية بينما ينتمي باقي المراكز الى البلديات. ويبلغ عدد متوسط السكان الذين يتلقون الرعاية في كل مركز من مراكز الرعاية الصحية حوالى 25 ألف نسمة. وفي اطار نموذج فريد من الشراكات بين القطاعين العام والخاص خلال العقود الماضية، كانت وزارة الصحة تدعم شبكة الرعاية الصحية الأولية عبر توفير الادوية الأساسية واللقاحات وبناء القدرات. مما مكّن مراكز الرعاية الصحية من تقديم مجموعة متكاملة من الخدمات. وأدى التوسع في خدمات الرعاية الصحية الأولية من خلال هذه الشبكة الى زيادة فرص الحصول على الرعاية الصحية الأولية لعلاج اللبنانيين وغير اللبنانيين، حيث يمثل اللاجئون السوريون ما لا يقل عن 35% من المستفيدين من مراكز الرعاية الصحية.

الى ذلك، أصبحت الامراض غير المعدية أهم سبب للوفيات، وفي عام 2019، كانت أمراض القلب والسكتة الدماغية وسرطان الرئة وأمراض القلب المتعلقة بالضغط أهم أربع أسباب للوفيات في الدولة. ولا يزال انتشار مخاطر الامراض غير السارية الرئيسية مرتفعاً مع تعاطي التبغ وارتفاع ضغط الدم وارتفاع مؤشر كتلة الجسم ونسب الجلوكوز في البلازما أثناء الصيام، والمخاطر الغذائية كونها أهم 5 مخاطر تساهم في العدد الإجمالي لمعدل العمر.

ومن المتوقع أن يزيد العبء الناجم عن الامراض غير السارية كما أن النظام الصحي في لبنان، كان يميل تقليدياً نحو الرعاية العلاجية مع تركيز أقل على خدمات الرعاية الوقائية والتي هي أكثر أهمية بالنسبة للأمراض غير السارية المزمنة والتي يمكن الوقاية منها ومكلفة العلاج.

أثر تدفّق النازحين

ومن التحديات المزمنة أيضاً للقطاع الصحي هي تدفق النازحين السوريين الى لبنان منذ عام 2011 بشكل كبير. وقد ارتفع اجمالي عدد سكان لبنان بأكثر من 38% بين عامي 2010 و2019. وأدى التدفق السوري الى ارتفاع غير مسبوق على الخدمات الصحية مما وضع ضغطاً كبيراً على موارد الدولة والخدمات العامة، ومن المرجح أن يكون ضعف الوصول الى خدمات الرعاية الصحية للامهات من بين اللاجئين السوريين قد ساهم في ارتفاع نسبة الوفاة بينهن في لبنان، من 23 وفاة مقابل كل 100 ألف مولود في عام 2010 الى 29. ومن المتوقع أن يزداد عبء الأمراض غير السارية حيث يميل النظام الصحي في لبنان تقليدياً نحو الرعاية العلاجية مع تركيز أقل على خدمات الرعاية الوقائية والتي يمكن الوقاية منها وتكلفة علاجها تعتبر مرتفعة.

إنفاق مرتفع ومنذ عام 2018، أنفق لبنان 8.3% من ناتجه القومي الإجمالي على الصحة، وهذه النسبة أعلى من البلدان الأخرى المماثلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وارتفعت نفقات الصحة للفرد خلال العقد الماضي من 515 دولاراً في عام 2009 الى 686 دولاراً في عام 2018 ما يمثل 6.99% و8.35% من الناتج القومي، وفقط 55.6% من السكان المقيمين في لبنان مشمولون بأي نوع من التأمين الصحي.

جهات التغطية

وقد قام صندوق الضمان الاجتماعي بتغطية 45.5% والجيش وقوى الامن الداخلي 20.1% والمفوضية العامة للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 11.5% وتعاونية موظفي الخدمة المدنية 5.6%. في حين كانت 15.3% تتم تغطيتها إما من خلال التأمين الخاص (10.5%) أو صناديق الاستثمار المشتركة (4.8%)، تعمل وزارة الصحة العامة كملاذ أخير للرعاية في المستشفيات لأولئك الذين يفتقدون الى التغطية الصحية الرسمية. ويميل القطاع الصحي نحو الرعاية العلاجية حيث تنفق وزارة الصحة العام 73.3% من ميزانيتها على الرعاية في المستشفيات وتدعم الوزارة تكلفة المستشفيات التي يدفعها مقدمو الخدمات من القطاعين الخاص والعام للمواطنين غير المؤمن عليهم. ففي 2019 تم دعم 225,115 حالة دخول الى المستشفيات، منهم 63% تمت معالجتهم في المستشفيات الخاصة و37% في المستشفيات العامة. وقد سجلت أكبر نسبة من الدخول المدعوم الى المستشفيات في منطقة جبل لبنان التي هي أيضاً المنطقة التي تضم أعلى نسبة من الفقراء.

إنفاق باهظ على الدواء

الى ذلك، كان الانفاق على الادوية محركاً كبيراً وبشكل غير متناسب لارتفاع تكاليف الرعاية الصحية التي تقوض قدرة النظام الصحي على توفير الحماية المالية، وشكلت الادوية 45% من اجمالي النفقات على الرعاية الصحية (1.8 مليار دولار) في عام 2018 وهو ما يمثل 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، واحد من أعلى المعدلات في المنطقة؛ وشكّلت الادوية حصة أكبر من النفقات الشخصية على الصحة بمعدل 53% في عام 2017. ويرجع ذلك أساساً الى أن معظم الادوية غير مغطاة من قبل الضمان اما غير مدعومة من قبل مصرف لبنان؛ وقد استوردت الدولة تقريباً 95% من منتجات الدواء في حين دعم مصرف لبنان استيراد الادوية بقيمة تقدر بنحو 200 مليون دولار سنوياً قبل الازمة؟ ويمكن أن يعزى هذا العبء المالي المرتفع الى العديد من العوامل لا سيما عدم وجود سلطة تنظيمية للأدوية وعدم وجود تشريعات وطنية لسياسة الادوية وغياب نظام التسعير لها وفق الوصفة الطبية مع الاعتماد على الادوية المستوردة ذات الماركات التجارية المعروفة…