أعمال ومال

التصدير باب خلاص الصناعة الوطنية

كتب جو متني:

يتذكّر الصناعيّون إحدى الضربات القاضية والقاسية التي تلقّوها العام 2000 بسبب قرار الرئيس الراحل رفيق الحريري إلغاء الرسوم الجمركيّة بالكامل على كافة المستوردات، ومحاربة وزير الصناعة الراحل جورج افرام هذا القرار بكلّ قوّة من دون جدوى، واستحصاله في المقابل على اعفاءات جمركيّة على المواد الأوّلية التي تدخل في الصناعة وعلى الآلات والمعدّات الصناعية لزوم تجهيز المصانع وتأهيلها.

حجّة الحريري في حينه تبنّي سياسة الأسواق المفتوحة open market والأجواء المفتوحة open sky تلبيةً لشروط انضمام لبنان إلى الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة (Gatt) التي تحوّلت لاحقاً الى منظّمة التجارة العالمية (WTO).

وقتها، ذهب الحريري أبعد ممّا هو مطلوب من لبنان، حين كانت الدول “تتلاعب” مع المنظّمة في مفاوضاتها، وترفع الرسوم ومن ثمّ تخفّضها إلى نسبة ما كانت عليه حماية لقطاعاتها الانتاجية الصناعيّة والزراعيّة، وكانت تطالب أيضاً بتخفيض تدريجي ومرحلي وفق برنامج زمني يمتدّ سنوات.

أما المسؤولون اللبنانيون أصحاب القرار الاقتصادي غير المؤمنين بقدرات لبنان الصناعيّة، أقدموا في العام 2000 إلى تخفيض الرسوم الجمركيّة على الاستيراد إلى صفر بالمئة. وبدل ضرب الاحتكارات واستيراد سلع أرخص من تلك المنتجة محلياً، ضُربت وأُقفلت قطاعات انتاجيّة صناعيّة بالكامل (المفروشات والصناعات الخشبيّة، الجلود والأحذية، القطن والنسيج والألبسة، الدبّاغات والصباغة…). كانت هذه المعامل توظّف عشرات آلاف العمّال بسبب حرمانها من قدرات تنافسيّة احتاجتها وقت تخلّت الدولة عنها، من خلال سياسات حمائية غير موجودة، فيما هي قائمة بغالبيّة الدول الصناعيّة، الكبيرة والصغيرة، إضافة إلى عدم تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل على صعيد الاغراق والمنافسة غير المشروعة وعدم الالتزام بالمواصفات والدعم…

في العام 2000، كان القرار غير حريريّ الطابع ولا الشكل، ولم يكن بخلفيّة اقتصاديّة بحتة ورؤية استراتيجيّة مستقبليّة واضحة المعالم. كان الفريق الاقتصادي الخاص بقريطم والسرايا الحكوميّة غير مؤمن بالصناعة في لبنان، وإنّما كان يعطي الأفضليّة والدعم للقطاعات التجاريّة والمصرفيّة والسياحيّة والخدمات المتنوّعة. لم يُعِرْ انتباهاً على الاطلاق، لا بل أهمل السياسات المتعلّقة بتقوية ودعم وتطوير وتحديث الصناعة والزراعة والتكنولوجيا وصناعة المعرفة والصناعات الجديدة غير التقليديّة.

قرار الحريري غير أنّه داعم للتجّار ذات الغالبيّة البيروتيّة والصيداويّة والطرابلسيّة، فإنّه أتى أيضاً ضدّ الوزير افرام على الصعيد الشخصي، وذلك في استعادة للصراع الخفي والعلني الذي وقع بينهما عام 1993 عندما أطلق رئيس الحكومة وعد الربيع، واعتبر أن افرام الذي كان وزيراً للموارد المائيّة والكهربائيّة، لم يساعد في تنفيذ الوعد في الشقّ المتعلّق بالكهرباء.
ماذا فعل الوزير افرام لمواجهة قرار ضرب الصناعة عام 2000 بعدما أصبح الغاء الرسوم الجمركيّة على الاستيراد أمراً واقعاً لا محال منه؟

في البداية، حصّن قرار الغاء الرسوم على المواد الأوّلية وعلى الآلات والمعدّات الصناعيّة، ودرسه وراجعه بحيث صدرت اللوائح مع ملحقاتها كاملة متكاملة لا ثغرة فيها، ليستفيد منها كافة الصناعيّين المتململين والغاضبين من القرار الأساسيّ الذي لم يلحظ لهم أي بارقة أمل.

من ثمّ طلب الوزير افرام الصناعي المخضرم ذو الباع الطويل والخبير صاحب أكبر محموعة صناعيّة انمائيّة في لبنان، الاجتماع مع التجمّعات والنقابات والقطاعات الصناعيّة، ودعاهم إلى امتصاص شدّة الضربة وقساوتها بردّة فعل ثابتة ومصمّمة على تخطّيها، وذلك عبر التركيز على الانتاج الجيّد والتصدير. في العام 2000، لم يكن التصدير سبيلاً إلا لبعض المؤسسات الكبيرة.

واقترح على أصحاب المؤسسات القادرة فتح قسم خاص للتصدير داخل المؤسسة يُعنى بالتواصل والانفتاح على الأسواق الخارجيّة. كما اقترح على أصحاب المؤسسات الصغيرة المتشابهة أن يعتمدوا مكتباً مشتركاً للتصدير، يعملوا من خلاله على التفتيش على أسواق خارج الحدود اللبنانية والأسواق العربيّة التقليديّة.

هذه الأفكار التي كانت بمثابة دليل guide line ساعدت وطوّرت الصناعة اللبنانيّة.

وفي العودة إلى مشروع الموازنة للعام الحالي، يعرب الصناعيّون عن شكرهم للحكومة ووزير الصناعة على دعم الصناعة، متمنّين ألا يؤثّر اعفاء استيراد المواد الغذائية بالكامل على السلع المنتج مثيلاً لها في المصانع اللبنانية، مع تجديد مطالبتهم بلحظ دعم كلفة الطاقة.

زر الذهاب إلى الأعلى