قضيّة تجديد الإقامات للسودانيّين في جمهوريّة مصر العربيّة

كتبت جوزفين موسى – جديدنا نيوز
شهدت العلاقات السودانيّة – المصريّة عبر التاريخ، تشابكاً جغرافيّاً واستراتيجيّاً عميقاً، فرضته وحدة المصير المرتبطة بنهر النيل، (الذي يشكّل قلب الحسابات الجيوسياسيّة، في حين تعتبرالسودان دولة عبور ومصدر تأثير مباشر على التدفّقات نحو الشمال)، وحركة التنقّل المفتوحة بين الشعبَيْن، والتداخل الاجتماعيّ ( حركة الهجرة المتبادلة) والاقتصاديّ ( التجارة الحدوديّة) القائم منذ عقود طويلة. ورغم بعض التوتّرات السياسيّة، (الخلاف على سدّ النهضة في أثيوبيا – محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في إديس أبابا في العام 1995 على سبيل المثال لا الحصر)، حافظ البلدان على إطار من التعاون المشترك والتنسيق الثنائيّ في القضايا الإقليميّة والأمنيّة ذات الإهتمام المشترك.
غير أنّ التطوّرات التي أعقبت اندلاع الحرب في السودان، في العام 2023، ألقت بظلالها على هذا المشهد، مع تدفّق أعداد كبيرة من السودانيّين إلى مصر بحثاً عن ملاذ آمن. في ظلّ هذا الواقع الجديد، برزت أزمة تتعلّق بصعوبات وتجديد الإقامات، وتأخّر الإجراءات وتشديدها، وما ترتّب على ذلك من أوضاع قانونيّة معقّدة لآلاف المقيمين.
يرجّح أنّ قرار التشدّد هذا، يعود إلى عوامل عدّة، في مقدّمتها الضغط الإداريّ والأمنيّ الناتج عن الزيادة الكبيرة في أعداد الوافدين، مما زاد الضغوط على قطاع الهجرة والجوازات، وسعي الدولة المصريّة إلى إعادة ضبط وتنظيم الوجود الأجنبيّ داخل أراضيها، عبر تحقيقات وثائقيّة وإجراءات أكثر صرامة في الإقامة والترحيل، إضافة إلى اعتبارات أمنيّة وسياديّة، مرتبطة بحساسيّة المرحلة الإقليميّة الراهنة.
وبين التنظيم القانونيّ وتداعيات حقوق الانسان، يبقى هذا الملفّ مفتوحاً على أبعاد سياسيّة تتجاوز البعد الإجرائيّ. من هنا لا يمكن قراءة أزمة تجديد الإقامات للسودانيّين في مصر بمعزل عن التحوّلات الإقليميّة العميقة التي فرضتها الحرب السودانيّة وتداعياتها على دول الجوار( مصر: ضغط لجوء وتحدّيات أمنيّة – تشاد: عبء إنسانيّ وأمنيّ – جنوب السودان: إرتدادات اقتصاديّة – أثيوبيا: حسابات حدوديّة ومائيّة وغيرها من دول الجوار)، ويبقى مستقبله مرهوناً بقدرة الطرفَيْن على كيفية إدارة الأزمة بروح التعاون التاريخيّ الذي ميّز علاقاتهما ويخفّف من التداعيات الاجتماعيّة للأزمة.
في ضوء المعطيات المتاحة، تبقى أزمة تجديد الإقامات للسودانيين في مصر، إختباراً حقيقيّاً لقدرة الدولة على التوازن بين مقتضيات السيادة وتنظيم الوجود الاجنبيّ، وبين الروابط الإنسانيّة التي تفرضها العلاقة التاريخيّة بين الشعبَيْن. فهي فرصة لإعادة صياغة سياسات اكثر مرونة وواقعيّة تسمح باستيعاب التدفّقات الطارئة، دون المساس بالنظام القانونيّ والامنيّ، وتعكس حكمة الدولة في إدارة الملفّات الإنسانيّة ضمن السياق السياسيّ والاقليميّ المعقّد.

