عاجل – لبنان : خسائر بـ 65 مليار دولار للمصارف و المودعون سيتحملون الجزء الأكبر ..اليكم خارطة الطريق نحو التعافي

من المرجح أن يخسر المودعون وحملة السندات في البنوك اللبنانية مليارات الدولارات ويتكبدوا أكبر خسائر ناجمة عن أزمة مالية استمرت عامين واندلعت بسبب الفساد وسوء الإدارة المالية، وفقًا لتقرير بنك الخدمات المالية والاستثمارية الأميركية، غولدمان ساكس، الصادر الخميس.
قال غولدمان في تقريره “بشكل عام، نقدّر أن إعادة هيكلة النظام المالي ستجعل القطاع المصرفي يواجه خسائر محتملة تصل إلى 65 مليار دولار، مما يجعله في حالة إعسار”، ورجّح تحمل المودعين “جزءًا كبيرًا من عبء الخسائر في القطاع المالي”.
توجد ضوابط غير رسمية على رأس المال في لبنان، حيث تم تجميد الودائع بالعملات الأجنبية في البنوك التجارية اللبنانية إلى حد كبير. كما أن عملاء البنوك ممنوعون من تحويل الأموال النقدية إلى الخارج ولا يمكنهم السحب من الودائع بالعملات الأجنبية التي تم إيداعها قبل انتفاضة 17 أكتوبر 2019.
30 مليار من الديون
في ظل الأزمة المالية المتصاعدة، تخلفت الحكومة اللبنانية عن سداد ديونها الدولية البالغة 30 مليار دولار في مارس/ آذار عام 2020. وحثّ الدائنون الأجانب بيروت على بدء محادثات إعادة هيكلة الديون، الخميس، حيث لم تبدأ البلاد بعد مفاوضات مع حاملي السندات لحل ديونها.
يمكن أن تنخفض استثمارات حاملي سندات اليوروبوند الحكومية – وهي القروض الممنوحة إلى الدولة بالعملة الأجنبية – بنسبة 75%، وفقًا لتقديرات غولدمان. تستند توقعات البنك الاستثماري إلى افتراضات تشمل قيام الحكومة الجديدة بتنفيذ خطة إنعاش شاملة للتعامل مع الخسائر، واستئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، والحصول على تمويل دولي وشيك في وقت قريب، ما قد يحسّن قيمة العملة الوطنية ويخفّض سعر صرف الدولار الأميركي من نحو 16 الف ليرة حاليا إلى حوالي 8 آلاف ليرة لبنانية.
فجوة ضخمة من الخسائر
يبلغ إجمالي الالتزامات بالعملات الأجنبية لمصرف لبنان نحو 70 مليار دولار، مقابل 13 مليار دولار احتياطيات قابلة للاستخدام، وفقا لتقديرات بنك غولدمان. وهذا يعني أن البنك المركزي لديه 57 مليار دولار صافي احتياطيات دولية سلبية.
وكي يتسنى إعادة تكوين احتياطيات البنك المركزي، يتوقع بنك غولدمان تقليص التزامات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية إلى نحو 60 مليار دولار. فيما تأتي معظم التزامات مصرف لبنان من ودائع المصارف اللبنانية. وقال غولدمان: “سيكون تأثير هذا التخفيض على أصول القطاع المصرفي بالغًا”.
ووصف غولدمان القطاع المصرفي اللبناني بالمتعثّر، متوقّعا أن يتحمل المودعون عبء الخسائر المالية البالغة 65 مليار دولار من خلال “عملية إنقاذ من نوع ما”.
وفي هذا السياق، يرى صائب الزين الذي شغل سابقا مناصب إداريّة رفيعة لدى بنوك وصناديق دولية، لفوربس الشرق الأوسط، أنّ القطاع المصرفي اللبناني هو “قطاع ميت تقريبًا كما هو حالنا اليوم”. حيث فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 90% من قيمتها منذ أن بدأت في الانحراف عن السعر الرسمي البالغ 1507.5 ليرة للدولار قبل عامين.
ويتم تداول العملة الوطنية اللبنانية الآن قرب مستوى 16 ألف مقابل الدولار في السوق الموازية، في حين أن معظم المودعين بالدولار يسحبون أموالهم عند 3900 ليرة لبنانية، أي أن الفارق الذي يتحملونه يبلغ 75% على عمليات السحب.
وبالنظر إلى أنّ القطاع المصرفي هو العمود الفقري لمعظم الاقتصادات، سلّط الزين الضوء على الحاجة الملحة لإصلاح القطاع المصرفي لإعادة انطلاق الاقتصاد. وأضاف أن “الاقتصاد غير قادر على التعافي بدون قطاع مصرفي مناسب”.
خارطة الطريق نحو التعافي
يجب رسم خارطة الطريق نحو التعافي على مرحلتين، وفقًا لفريق الأبحاث الاقتصادية ببنك غولدمان ساكس.
المرحلة الأولى: خطة التعافي
في وقت سابق من سبتمبر/ أيلول، اتفق القادة اللبنانيون على حكومة جديدة بقيادة الملياردير نجيب ميقاتي، ما كسر الجمود السياسي المستمر منذ 13 شهرًا. وصوّت البرلمان، الاثنين، لصالح منح الثقة للحكومة الجديدة برئاسة ميقاتي.
قال غولدمان إن “تصديق مجلس النواب على حكومة ميقاتي يمثل الخطوة الأولى على طريق طويل وضيق لتعافي الاقتصاد اللبناني من المرجح أن يكون محفوفاً بالصعوبات والمخاطر”.
وتقدّر فوربس صافي ثروة ميقاتي بنحو 2.9 مليار دولار، حسبما سُجل في 24 سبتمبر/ أيلول 2021.
تتمثل إحدى مهام الحكومة الجديدة في وضع أجندة إصلاحية وتنفيذ خطة شاملة للتعافي المالي يدعمها صندوق النقد الدولي للتعامل مع الخسائر في النظام المالي.
يعتمد لبنان حاليًا أربعة أسعار صرف للعملة الوطنية. وقال غولدمان إن الحكومة الجديدة يقع على عاتقها إصلاح ارتباط العملة بالدولار وتوحيد أسعار الصرف. في الوقت نفسه، أوضح الزين أن صندوق النقد الدولي سيطلب إصلاحات متعددة. فعلى المدى القصير، سيتم تكليف الحكومة الجديدة بإضفاء الطابع الرسمي على ضوابط رأس المال، ووضع ميزانية لعامي 2021 و2022، وتوحيد سعر صرف الليرة، وتنفيذ إطار تسوية للبنوك.
أفاد غولدمان أنه مع الشلل الذي أصاب البلاد بسبب الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، فإن الحكومة مطالبة أيضًا بإصلاح قطاع الطاقة، وبالتحديد مؤسسة كهرباء لبنان الحكومية. كانت المؤسسة التي تحتكر قطاع الطاقة وتديرها الحكومة قد حذرت، الخميس، من أن احتياطيات الوقود لديها وصلت إلى عتبة حرجة، ما يعرض البلاد لخطر “انقطاع التيار الكهربائي والعتمة الشاملة بحلول نهاية سبتمبر/ أيلول.
وقال غولدمان: “ستنطوي خطة التعافي، مثل أي إصلاح، على معاناة في الأجل القصير لتحقيق مكاسب في الأجل الطويل”.
المرحلة الثانية: الدعم الدولي وإعادة هيكلة الديون
قال غولدمان إن خطة شاملة ستمهد الطريق لحزمة دعم من صندوق النقد الدولي وتسمح للحكومة بإنهاء المفاوضات مع الدائنين وإعادة هيكلة ديونها.
أفاد البنك أن فتح خطة إنقاذ من صندوق النقد الدولي سيفتح الطريق لمزيد من الدعم الدولي، لا سيما التعهدات الكبيرة التي قُدمت في المؤتمر الاقتصادي للتنمية من خلال الإصلاحات مع القطاع الخاص (CEDRE).
وقال غولدمان إن لدى صندوق النقد الدولي أيضًا وظائف مراقبة، والتي ستكون ضرورية لإعادة تأهيل والحفاظ على الثقة في جهود الإصلاح. وهي نقطة اتفق معها الزين، الذي قال إن لبنان يمكن أن يستعيد تدفقات العملات الأجنبية ويستعيد بعض الثقة بعد إفساح المجال لخطة صندوق النقد الدولي.
وهنا يرى الزين أنّ “صندوق النقد الدولي هو الركيزة الأساسية. تطلب العديد من المؤسسات الدولية والدول بوضع برنامج مع صندوق النقد الدولي والإشراف على الإصلاحات التي سيتم تنفيذها”.
في أبريل 2018، تم التعهّد بأكثر من 10 مليارات دولار من المنح والقروض لدعم استثمارات البنية التحتية في لبنان في مؤتمر في باريس. وقال غولدمان إن التمويل مرهون بالإصلاحات التي يرعاها صندوق النقد الدولي. إذ تعد إعادة هيكلة الديون، المستحقة على النظام المالي المحلي في الغالب، جانبًا رئيسيًا للتعامل مع الخسائر ووضع القطاع المالي على مسار مستدام.
وأضاف غولدمان: “ديون لبنان هي الأعلى في العالم، إذ تتجاوز 300% من الناتج المحلي الإجمالي”. قام البنك بحساب الدين والناتج المحلي الإجمالي باستخدام أسعار الصرف في السوق. بالنظر إلى هذه الافتراضات، يقدّر البنك خفضًا بنسبة 75% للقيمة الاسمية لسندات اليوروبوند، مضيفًا أن حالة الشكوك في البلاد لا تزال مرتفعة.
معوقات التعافي
لدى لبنان سجل تاريخي من الجمود السياسي المزمن والفساد وسوء الإدارة المالية.
قال البنك الاستثماري: “لن يكون التوصل إلى برنامج صندوق النقد الدولي أمرًا سهلاً”. وأفاد غولدمان أن توزيع الخسائر سيواجه عدة عقبات، منها الطائفية والمصالح الخاصة وخطر العنف والتأثير الخارجي الذي يؤثر على القرارات الداخلية.
ورجّح البنك أن تكون التدابير التصحيحية المحتملة وعمليّة توزيع الخسائر “موضوع نقاش سياسي حاد في الأسابيع والأشهر المقبلة”.
في أبريل/ نيسان عام 2020، كشفت الحكومة السابقة عن خطتها للتعافي المالي، والتي تم وضعها بمساعدة المصرف الاستثماري”لازارد”، وهي شكّلت أساس المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. وقدّرت الخطّة خسائر القطاع المالي بنحو 241 تريليون ليرة لبنانية (حوالي 69 مليار دولار على أساس سعر الصرف 3500 ليرة لبنانية التي اعتمدتها الخطة).
كانت الخطة تتطلب جهودًا من جميع الأطراف، بحيث تتحمل المصارف جزءا من الخسائر، وأن يواجه كبار المودعين اقتطاعا من ودائعهم Haircut، بينما تغطي الدولة، حصتّها من الخسائر من خلال صندوق تجمع فيه بعض الأصول المملوكة للقطاع العام.
غير أن الخلافات بين مسؤولين سياسيين حجم الخسائر المالية عطّلت تنفيذ الخطّة، ووصلت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي إلى طريق مسدود الصيف الماضي. علما أنّ صندوق النقد كان وافق على أرقام الخسائر الواردة في الخطة، لكن تمّ نقضها من قبل المصرف المركزي وجمعية مصارف لبنان والبرلمان، حيث كانت هذه الأطراف تسعى إلى تقليل تقديرات الخسائر.
ترجمة: قيس الصديق

