لبنان بين “استنزاف الجنوب” و”شبح غزة”: قراءة في موازين الردع
كتب جان زغيب
دخلت الحرب في لبنان منعطفاً حاسماً يتجاوز فكرة “الإسناد” ليدخل في صلب صراع البقاء الاستراتيجي.اذ لم تعد المواجهة مجرد تبادل لإطلاق النار، بل تحولت إلى حرب استنزاف تكنولوجي وعسكري تعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
وتُشير العمليات الأخيرة، ومنها استهداف الآليات الإسرائيلية في الجنوب وعمليات الإنزال في العمق اللبناني (البقاع)، إلى أننا أمام مسارين متوازيين: الاستراتيجية الإسرائيلية التي تعتمد على “تقطيع أوصال” الإمداد عبر غارات مكثفة، ومحاولة تحويل جنوب الليطاني إلى منطقة عازلة فعلياً بالنار، مع استمرار ملاحقة “أهداف استراتيجية” خلف الخطوط (مثل إنزال النبي شيت). اما تكتيك حزب الله فهو رغم الضغوط الهائلة على هيكلية القيادة، أظهرت المعارك الأخيرة قدرة الوحدات الميدانية على العمل بـ “استقلالية تكتيكية” عالية، مما يمنع الانهيار السريع ويُبقي تكلفة التوغل البري الإسرائيلي باهظة.
في البعد السياسي من البديهي وجود انسداد أفق الدبلوماسية اذ يبدو أن “المبادرة الفرنسية-الأمريكية” تصطدم بجدار الشروط المتبادلة. فإسرائيل تصر على “واقع أمني جديد” يضمن عودة سكان الشمال، بينما يربط حزب الله أي تهدئة بوقف كلي للعمليات العسكرية، وهو ما يضع القرار الأممي 1701 في حالة “موت سريري” بانتظار صيغة بديلة أكثر صرامة.
في الداخل اللبناني، يظل الملف الإنساني هو التحدي الأكبر للدولة اللبنانية.فمع تجاوز أعداد القتلى والجرحى الآلاف واستمرار موجات النزوح، يواجه لبنان ضغطاً اقتصادياً واجتماعياً قد يؤدي إلى اضطرابات داخلية إذا طال أمد الحرب، خاصة مع غياب الحلول السياسية للأزمات المتراكمة أصلاً.
بناء على كافة المعطيات، تبقى السيناريوهات المتوقعة:
سيناريو الاستنزاف الطويل: وهو الأرجح حالياً، حيث تستمر العمليات بوتيرة مرتفعة دون اجتياح بري شامل، بانتظار تسوية إقليمية كبرى تشمل ملفات أخرى.
سيناريو التدحرج نحو “الحرب الشاملة”: ويحدث في حال تجاوز أحد الطرفين “الخطوط الحمراء” الكبرى (مثل استهداف البنية التحتية الحيوية في بيروت أو العمق الإسرائيلي المكتظ)، مما قد يستدعي تدخلاً دولياً مباشراً.
جان زغيب
ناشر ورئيس تحرير
استراتيجي في التواصل والاعلام


