25.4 C
بيروت
يونيو 14, 2021
Jadeedouna

هل نشهد على 17 تشرين جديد؟

كتب الدكتور هيكل الراعي في الجمهورية
بعدما تفاقمت الأزمة الاقتصادية والمالية والمعيشية وانهارت الرواتب والأجور، وفرضت العقوبات على أطراف لبنانية وأغلقت المصارف أبوابها على مدّخرات المودعين وجنى اعمارهم، وبعدما دب الهلع والخوف بين المواطنين من مجاعة بدأت تباشيرها، وبعدما أقدم السياسيون الفاسدون وأصحاب المصارف على إخراج مليارات الدولارات إلى مصارف أجنبية بالتواطؤ مع الحاكم بأمره في المصرف المركزي، برزت أزمة الحصول على الدولار لدفع ثمن استيراد المواد الأولية والسلع الحيوية من قمح ودواء ومحروقات وغير ذلك. والنتيجة المتوقعة، بعد قرارات حكومية مترددة وخجولة ورفع الدعم، إنفجار الوضع وسيطرة الفوضى. فهل سينزل الناس مجدداً إلى الشوارع والساحات في مشهد يعبّر عن صورة رسمتها الآلام والأوجاع والعجز عند شرائح واسعة من اللبنانيين عن تأمين أبسط متطلبات الحياة الحرة الكريمة؟ وهل سيُنسف نظام النهب والفساد من جذوره؟

إنّ النضال من أجل التغيير، وهو سنّة الحياة، لا يمكن أن يكون ظرفياً أو عفوياً أو مؤقتاً، ولكنه يجب أن يأخذ في الاعتبار المعطيات الداخلية والإقليمية والدولية وأن يبني استراتيجيته وتكتيكاته على أساسها. هو عملية مستمرة تحتاج الى قيادات وأحزاب وتيارات وقوى واعية تؤمن انّ الجمود موت وأنّ التجديد في كل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية هو المدخل الطبيعي لتلبية تطلعات الشباب وآمالها.

ومنذ عقود تطالب الاحزاب والقوى والحركات الديموقراطية العلمانية اللبنانية بتغيير النظام القائم، وبمحاربة الطائفية والزبائنية والمحاصصة والفساد والنهب المنظّم للمال العام، وبديموقراطية التعليم وبالعدالة الاجتماعية وضمان الشيخوخة وتأمين فرص العمل، وبفصل الدين عن الدولة وإقامة الدولة المدنية. وفي كل المحاولات السابقة التي جرت لإحداث تغيير، ولو محدود، في بنية النظام كانت هذه القوى تصطدم بتحالف المنظومة الطائفية وأصحاب الرساميل الذين كانوا يجهضون التحركات من خلال ما يملكون من أدوات سياسية ومالية وإعلامية ومن دعم خارجي.

ومنذ اليوم الأول لانتفاضة 17 تشرين الأول حذّر عقلاء كثيرون من رفع سقف المطالب عالياً ومن إمكانية استغلال وجع الناس من قبل جهات داخلية وخارجية لها أجنداتها الخاصة المرتبطة بالصراعات والتحولات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. ذلك أنّ التغيير الجذري الشامل في لبنان، خصوصاً في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ المنطقة، دونه صعوبات وعوائق متنوعة تعود لأسباب كثيرة، أبرزها:

أولاً: يضم لبنان 18 طائفة لها مصالحها ومشاريعها المتناقضة وتحالفاتها الداخلية والخارجية التي بَنتها عبر التاريخ. الطوائف اللبنانية تتنازع في ما بينها على السلطة وتستقوي على بعضها إمّا بما تمتلك من قدرات عددية وعسكرية أو من خلال علاقاتها الخارجية. هذه الطوائف ترفض إقامة نظام سياسي يقوم على المواطنة يفصل بين الدين والدولة، وتتمسك بامتيازاتها. وهذا الواقع ينتج تفاهمات سياسية مؤقتة قابلة للنقض والتغيير عند تبدّل موازين القوى الداخلية والإقليمية ممّا يُدخل لبنان في صراعات ونزاعات، بعضها عسكري، بين مُكوّناته. أضف إلى ذلك أنّ لبنان واقع جغرافياً بين سوريا ونيرانها المشتعلة وبين العدو الإسرائيلي وأطماعه وتهديداته الدائمة. فهل يمكن طرح تغيير جذري في هذه التركيبة المتفجرة، وفي دولة تتحكّم سفارات غربية وعربية وعلى رأسها السفارة الأميركية بغالبية قراراتها الاستراتيجية؟

ثانياً: يستقبل لبنان نصف مليون لاجىء فلسطيني منذ نهاية أربعينات القرن الماضي يعيشون في 10 مخيمات تتمتع باستقلال ذاتي نسبي على المستويين الإداري والأمني، بعضها يعجّ بكل أنواع الاسلحة. هذه المخيمات تُشكّل بؤراً خصبة لكل الأفكار والتيارات والتنظيمات وأجهزة المخابرات العالمية وتجار الممنوعات والهاربين من وجه العدالة. وفي إطار الخطط الجاري تنفيذها في المنطقة لإلغاء القضية الفلسطينية سيتم توطين القسم الأكبر من هؤلاء اللاجئين مع كل ما يحملونه من حقد مشروع على كل الدول التي تآمرت عليهم وأخرجتهم من بيوتهم وأراضيهم وأذَلّتهم خلال العقود الماضية. ولن تنفع الموانع القانونية والإعتراضات السياسية مهما كان حجمها في مواجهة هذا المشروع.

ثالثاً: إضافة إلى الفلسطينيين يستقبل لبنان ما يزيد على المليون ونصف مليون نازح سوري يتوزّعون على أكثر من 1000 مخيم في كل المناطق اللبنانية. هؤلاء النازحون، الذين يعيشون ظروفاً صعبة وقاسية للغاية، يتعرّضون لشتى أنواع الإستغلال ويُشكّلون بؤراً صالحة وخصبة لانتشار كل الأفكار وكل أنواع الإنحرافات. ومن قصر النظر الاعتقاد أنّ القسم الأكبر من هؤلاء يُمكن أن يعود إلى سوريا في المدى المنظور لأنّ بقاءهم في لبنان سيكون حتمياً.

رابعاً: يدور صراع حاد بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى للسيطرة على المنطقة وخيراتها. ولبنان بموقعه الجغرافي وبنفطه وغازه يشكل ساحة من ساحات الصراع المتشابكة والمترابطة، من اليمن إلى ليبيا مروراً بسوريا والعراق. ولا يمكن إحداث تغيير جذري في لبنان قبل أن تتوضّح مناطق النفوذ على خارطة المنطقة الجديدة التي يجري تركيبها. ومَن ينظر إلى الواقع اللبناني ويتعامل معه، ولو من باب مطلبي، على أنه دولة مستقلة وذات سيادة، لا تتأثر بالنيران المشتعلة حولها، يكون بعيداً عن الواقع ويعيش في الخيال.

خامساً: هناك قوى وتيارات وحركات اجتماعة وأحزاب تضم مجموعات شبابية طموحة تدعو إلى إحداث تغيير في هذا النظام، وهي شكلت النواة الأساسية لانتفاضة 17 تشرين الأول 2019، وهؤلاء صادقون في أهدافهم وشرفاء في وسائل عملهم وأنقياء في سلوكياتهم، ولكن هناك أيضاً جمعيات وتنظيمات نبتت كالفطر خلال العقود الثلاثة الماضية، ترفع شعارات إنسانية وإنمائية، ولكن لا أحد يعرف من أين تأتي بأموالها وما هي أهدافها الحقيقية؟ يضاف إلى هذين الفريقين الأحزاب التي ولدت من رحم الميليشيات والتي ترتبط بأجندات خارجية مشبوهة.

سادساً: يتميّز السياسيون اللبنانيون في غالبيتهم وكذلك معظم الأحزاب والنقابات وحركات المجتمع المدني بالارتهان المالي والسياسي لسفارات معينة وبالعمل على تنفيذ مخططاتها وتوجيهاتها. ويترافق ذلك الارتهان، تحت شعار «التحالف»، مع الترويج الإعلامي الكثيف لخطابات كاذبة حول مفاهيم السيادة والحرية والإستقلال، مما أفقد العمل السياسي من مضامينه، وعمّق الهوة بين القيادات والقواعد، ودفع الكثر من الشباب الواعي والمتنوّر إلى هجرة الأحزاب والسياسيين والوطن.

سابعاً: إنّ مراقبة دقيقة لمسار الانتفاضة التي انطلقت في 17 تشرين الأول، والتي عمّت كل أرجاء الوطن، تظهر وجود ساحات وتجمعات ترفع شعارات مختلفة الأشكال والأنواع، من الثورة وإسقاط النظام وصولاً إلى تعيين مأموري الأحراج الناجحين في مباراة مجلس الخدمة المدنية، مروراً بتغيير الحكومة ورفع السرية المصرفية واستعادة الأموال المنهوبة. وبرزت خلال التحركات دعوات لنزع سلاح المقاومة ووضع لبنان تحت البند السابع ووصاية مجلس الأمن الدولي. إنّ تعدد هذه الجماعات وتنوعها واختلاف أهدافها وتمويلها (من جيوب المتظاهرين أو من سفارات) منعَ، ولا يزال، تشكيل قيادة موحدة للانتفاضة توحّد المطالب، وفق أولويات، وتسعى لمفاوضة السلطة لتحقيقها. وهذا ما شكّل نقطة ضعف أساسية هددت الحراك وصدق تعبيره عن آلام الناس.

ثامناً: لقد أدى انتشار وباء كورونا إلى فرض التعبئة العامة وما رافقها من إقفال شامل للمؤسسات وتراجع للنشاط الاقتصادي وانتشار للبطالة (حوالى 100 ألف عاطل جديد عن العمل) وإلى تعمّق الأزمة الاقتصادية المعيشية، وارتفاع حالة التذمر والشكوى بين الناس، خصوصاً بعد انهيار القوة الشرائية للعملة اللبنانية. واليوم، بعد الدعوة إلى تنظيم التظاهرات وإلى قطع الطرقات وشل الدورة الاقتصادية وإقفال المؤسسات وصولاً إلى العصيان المدني، يُطرح السؤال: الانتفاضة إلى أين وما هي التطورات المرتقبة؟

هناك سيناريوهات عديدة متوقعة لتطور الأمور في الأيام المقبلة.

الأول: هو نزول المحتجّين من جديد إلى الشوارع وعدم العودة إلى البيوت إلا بعد اتخاذ إجراءات عملية تضع السياسيين الفاسدين السارقين وأصحاب المصارف في السجون وتُعيد الأموال والودائع المنهوبة وتضع أسس لبنان الجديد. وبذلك تكون السلطة، بكل مكوناتها، قد وَعت للأخطار المحدقة واستشعرت حالة القرف التي يعيشها الناس منها ومن فسادها ونفاقها، فبادرت إلى تنفيذ الخطوات التي تلبّي طموحات المتظاهرين والمحتجّين وتحقق بعض ما يحلمون به من حقوق إنسانية ومن عدالة اجتماعية. وهذا سيكون نتيجة وعي الطبقة السياسية، بأنّ المركب سيغرق وسيأخذ معه كل تاريخها وأمجادها ومستقبلها. وبذلك تتجنّب سيلاً جارفاً في المستقبل يقضي عليها وعلى كل سياساتها.

الثاني: وصول الانتفاضة والتحركات الشعبية إلى مأزق نتيجة التعنّت والمكابرة وعدم الاعتراف من قبل منظومة الفساد السياسي والمصرفي والمالي بما ارتكبت من جرائم، وهذا يمكن أن يؤدي الى إحباط وغضب عند شرائح واسعة من المتظاهرين الشرفاء الذين ملأوا الساحات. هذا الإحباط يمكن أن يترجم بعمليات عنفية متفرّقة تقوم بها مجموعات صغيرة ضد رموز النهب والفساد وضد الأملاك العامة والخاصة لتنفيس احتقانها وغضبها.

الثالث: وهو الأخطر، ان يقوم طرف ما بافتعال أحداث أمنية تنفيذاً لمخطط خارجي بهدف إشعال فتنة في لبنان تستهدف سلاح المقاومة. وهذا الأمر ليس صعباً في ظل المعطيات التي ذكرناها سابقاً. ولكن الفتنة إذا ما اشتعلت سيكون لها آثار مدمرة على حاضر لبنان وعلى مستقبله وستفرز واقعاً جديداً يقضي على أحلام الكثيرين ومخططاتهم، ولكنها يمكن أن تخدم مصالح بعض الدول التي تعمل على إعادة هندسة وبناء منطقة الشرق الاوسط. فهل يقبل اللبنانيون ان يكونوا مجدداً وقوداً لتحقيق مشاريع مشبوهة.

يخطىء كثيراً من يظنّ أنه من السهل معالجة حالة الانهيار المالي والاقتصادي والمعيشي التي يعيشها لبنان، أو يحلم بالعودة إلى ما يشبه الأوضاع التي كانت سائدة عام 2019. هناك تغييرات وأنماط معيشية وسلوكيات جديدة بدأت تظهر وتتبلور سوف تطبع حياة اللبنانيين في الأشهر والسنوات المقبلة. لبنان سيبقى في غرفة العناية الفائقة بين الموت والحياة بانتظار نتائج المفاوضات بين القوى الإقليمية والدولية. ومن الصعب جداً أن تعود أيام الرغد والبحبوحة السابقة، في ظل خوف جدي ان تكون حلول بعض الأزمات على حسابه، وأن يكلّف فريق معيّن بإدارة وتنظيم التناقضات والخلافات بين مكوناته.

Open chat